الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٢ - قصته مع مخارق في أخذه دراهم من يحيى البرمكي و أولاده
صوت
نام الخليّون من همّ و من سقم
و بتّ من كثرة الأحزان لم أنم
يا طالب الجود و المعروف مجتهدا
اعمد ليحني حليف الجود و الكرم
- الشعر لأبي النضير [١]، و الغناء لإبراهيم الموصليّ ثقيل أوّل بالبنصر- قال: فأخذته فأحكمته؛ ثم قال لي:
امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه و تجد الباب قد فتح و لم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر عليك مجيئك و يقول: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ فحدّثه بقصدك إياي و ما ألقيت إليك من خبر الضّيعة، و أعلمه أنّي صنعت هذا/ الصوت و أعجبني، و لم أر أحدا يستحقّه إلا فلانة جاريته، و أني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها؛ فسيدعو بها و يأمر بالسّتارة أن تنصب و يوضع له كرسيّ و يقول لك: اطرحه عليها بحضرتي، فافعل و ائتني بالخبر بعد ذلك. قال: فجئت باب يحيى فوجدته كما وصف، و سألني فأعلمته ما أمرني به، ففعل كلّ شيء قاله لي/ إبراهيم، و أحضر الجارية فألقيته عليها؛ ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنّأ أو تنصرف؟ فقلت: أنصرف أطال اللّه بقاءك فقد علمت ما أذن لنا فيه، قال: يا غلام، احمل مع أبي المهنّأ عشرة آلاف درهم، و احمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضّيعة، فحملت العشرة الآلاف الدرهم إليّ، و أتيت منزلي فقلت: أسرّ يومي هذا و أسرّ من عندي، و مضى الرسول إليه بالمال؛ فدخلت منزلي و نثرت على من عندي من الجواري دراهم من تلك البدرة، و توسّدتها و أكلت و شربت و طربت و سررت يومي كلّه؛ فلما أصبحت قلت: و اللّه لآتينّ أستاذي و لأعرفنّ خبره، فأتيته فوجدت الباب كهيئته بالأمس، و دخلت فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنّمت و طربت فلم يتلقّ ذلك بما يجب؛ فقلت له: ما الخبر؟ أ لم يأتك المال؟ قال: بلى! فما كان خبرك أنت بالأمس؟ فأخبرته بما كان وهب لي و قلت: ما [٢] ينتظر من خلف الستارة، فقال: ارفع السّجف فرفعته فإذا عشر [٣] بدر؛ فقلت: و أيّ شيء بقي عليك في أمر الضيعة؟ قال: ويحك! ما هو و اللّه إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها فصارت مثل ما حويت قديما؛ فقلت: سبحان اللّه العظيم! فتصنع ما ذا! قال: قم حتى ألقي عليك صوتا صنعته يفوق ذلك الصوت؛ فقمت و جلست بين يديه، فألقى عليّ:
صوت
و يفرح بالمولود من آل برمك
بغاة النّدى و السيف و الرمح ذو النصل [٤]
[١] ورد هذا الاسم في ح: «لأبي النضر». و في سائر الأصول: «لأبي بصير»، و كلاهما تحريف عن «أبي النضير». و اسمه عمر بن عبد الملك البصري مولى بني جمح، شاعر من شعراء البصرة صالح المذهب ليس من المعمودين المتقدمين و لا من المولدين الساقطين، و كان يغني بالبصرة على جوار له مولدات، و يظهر الخلاعة و المجون و الفسق، و يعاشر جماعة ممن يعرف بذلك الشأن، و كان أبان اللاحقي يعاشره ثم تصار ما و هجاه و هجا جواريه و افترقا على قلي؛ ثم انقطع أبو النضير إلى البرامكة فأغنوه إلى أن مات.
(راجع ترجمته في «الأغاني» ١٠ ص ١٠٠ طبع بولاق).
[٢] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «ما كان ينتظر من خلف الستارة» و عبارة نهاية الأرب (ج ٤ ص ٣٥٤ طبع دار الكتب المصرية):
«فأخبرته بما كان و قلت: ما تنتظر؟ فقال: ارفع السجف ... إلخ».
[٣] كذا في ح. و في سائر النسخ: «عشرة» بتأنيث العدد.
[٤] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «بغاة الندى و السيف و الرمح و النصل» و كذلك في «نهاية الأرب» (ج ٤ ص ٣٥٤ طبع دار الكتب المصرية) و القافية فيه مرفوعة، و آخر البيت الثاني فيه: «و لا سيما إن كان والده الفضل».