الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠٣ - الأعلم العداء
ذلك الماء و هو ماء الأطواء [١]، يتفيئون بنخل متأخّر عن الماء قدر رمية سهم. فأقبل يمشي متلثّما، و قد وضع سيفه و قوسه و نبله فيما بينه و بين صاحبه، فلما برز للقوم مشى رويدا مشتملا، فقال بعض القوم: من ترون الرجل؟
فقالوا: نراه بعض بني مدلج بن مرة.
ثم قالوا لبعضهم: الق الفتى، فاعرفه، فقال لهم: ما تريدون بذلك الرجل؟ هو آتيكم إذا شرب، فدعوه فليس بمفيتنا، فأقبل يمشي حتى رمى برأسه في الحوض مدبرا عنهم بوجهه، فلما روي أفرغ على رأسه من الماء، ثم أعاد نقابه، و رجع في طريقه رويدا، فصاح القوم بعبد لهم كان على الماء: هل عرفت الرجل الذي صدر؟ قال: لا، فقالوا: فهل رأيت وجهه؟ قال: نعم، هو مشقوق الشّفة، فقالوا: هذا الأعلم، و قد صار بينه و بين الماء مقدار رمية سهم آخر، فعدوا في أثره، و فيهم رجل يقال له: جذيمة ليس في القوم مثله عدوا، فأغروه به، و طردوه فأعجزهم، و مرّ على سيفه و قوسه و نبله، فأخذه، ثم مرّ بصاحبيه فصاح بهما فضبرا [٢] معه، فأعجزوهم، فقال الأعلم في ذلك:
/
لما رأيت القوم بال
علياء دون قدي [٣] المناصب [٤]
و فريت [٥] من فزع فلا
أرمي و لا ودّعت صاحب
/ يغرون صاحبهم بنا
جهدا و أغري غير كاذب [٦]
أغري أخي [٧] صخرا ليع
جزهم و مدّوا بالحلائب [٨]
و خشيت وقع ضريبة [٩]
قد جرّبت كلّ التجارب
فأكون صيدهم بها
و أصير [١٠] للضّبع السّواغب
جزرا و للطير المربّ
ة [١١] و الذئاب و للثّعالب
/ و هي قصيدة طويلة.
[١] كذا في «شرح السكري لديوان الهذليين»، و لعل المراد بالأطواء قرية باليمامة أو مياه لبني عامر، و في س، ب «أطوافهم»، و لم نعثر له على معنى.
[٢] ضبرا معه: عدوا معه.
[٣] كذا في ف و «الديوان» و معناه قدر، و في س، ب: قرى، و هو تحريف. و المناصب: الأغراض و المرامي.
[٤] المناصب: المباري المنافس.
[٥] فريت: تحيرت و دهشت.
[٦] في هج، هد: و أغرى كل كاذب.
[٧] في «الديوان»: «أبا وهب».
[٨] الحلائب: الجماعات جمع حلبة غير قياس.
[٩] ضريبة: سيف.
[١٠] كذا في «الديوان» و في النسخ: الذئب بدل و أصير.
[١١] المربة: المقيمة الملازمة.