الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٧ - يغضب فيسترضيه الفضل
و من قلبه قلق خافق
عليك و أحشاؤه ترجف؟
فلما جلس المأمون للشرب دعاني، و قد كان غضب على حظيّة له، فحضرت مع المغنّين، فلما طابت نفسه وجّهت إليه بتفاحة من عنبر، عليها مكتوب بالذهب: يا سيدي، سلوت. و علم اللّه أني ما عرفت شيئا من الخبر.
يتغنى ينكره المأمون
و انتهى الدور إليّ، فغنّيت البيتين، فاحمرّ وجه المأمون، و انقلبت عيناه و قال لي: يا بن الفاعلة، أ لك عليّ و على حرمي صاحب خبر! فوثبت، و قلت: يا سيدي ما السبب؟. فقال لي: من أين عرفت قصتي مع جاريتي؟
فغنيت في معنى ما بيننا، فحلفت له أني لا أعرف شيئا من ذلك، و حدّثته حديثي مع خالد، فلما انتهيت إلى قوله، «أنت أنزل من ذلك» ضحك، و قال: صدق، و إن هذا الاتّفاق ظريف، ثم أمر لي بخمسة آلاف درهم و لخالد بمثلها.
دخوله على المأمون في يوم السعانين
أخبرني محمد قال: حدثنا حماد قال: حدثني أحمد بن صدقة قال:
دخلت على المأمون في يوم السعانين [١]، و بين يديه عشرون وصيفة، جلبا [٢] روميات مزنّرات [٣]، قد تزيّن بالديباج الرومي، و علّقن في أعناقهنّ صلبان الذهب،/ و في أيديهنّ الخوص و الزيتون، فقال لي المأمون: ويلك يا أحمد! قد قلت في هؤلاء أبياتا فغنّني فيها.
ثم أنشدني قوله [٤]:
ظباء كالدنانير
ملاح في المقاصير
جلاهنّ السعانين
علينا في الزنانير
و قد زرّفن أصداغا
كأذناب الزرارير
/ و أقبلن بأوساط
كأوساط الزنابير
فحفظتها، و غنّيته فيها، فلم يزل يشرب، و ترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص من الدستبند [٥]، إلى الإبلا [٦] حتى سكر، فأمر لي بألف دينار، و أمر بأن ينثر على الجواري ثلاثة آلاف دينار، فقبضت الألف، و نثرت الثلاثة الآلاف عليهنّ، فانتهبتها معهنّ.
يغضب فيسترضيه الفضل
حدثني جحظة قال حدثني جعفر بن المأمون قال:
[١] يوم السعانين: عيد النصارى يخرجون فيه بصلبانهم قبل الفصح بأسبوع.
[٢] في هد، ف «جلب» بالرفع على الوصفية ل «عشرون».
[٣] مزنرات: لابسات الزنار و هو منطقة للنصارى و المجوس كانوا يتميزون بها في زيهم.
[٤] الأبيات زيادة في م و ا.
[٥] الدستبند: الرقص مع التماسك بالأيدي زرفن أصداغا، أي جعلن حلقات معرب.
[٦] كذا في س، ب، و في ف، هد، هج «الإبل»، و لعل المراد منه الرقص العربي، و العرب يقسمون بالراقصان من الإبل.