الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٠ - خصام و صلح في المنام؛ ثم في اليقظة
الحسن و الظّرف و الأدب مغنّية محسنة، فحظيت عند المتوكل، حتى إنه كان يجلسها خلف ستارة وراء ظهره إذا جلس للشرب، فيدخل رأسه إليها، و يحدّثها، و يراها في كل ساعة. فغاضبها يوما، و هجرها و منع جواريه جميعا من/ كلامها ثم نازعته نفسه إليها، و أراد ذلك، ثم منعته العزة، و امتنعت من ابتدائه إدلالا عليه بمحلّها منه. قال عليّ بن الجهم: فبكّرت إليه يوما فقال لي: إني رأيت البارحة محبوبة في نومي كأني قد صالحتها، فقلت: أقرّ اللّه عينك يا أمير المؤمنين، و أنامك على خير، و أيقظك على سرور، و أرجو أن يكون هذا الصلح في اليقظة، فبينا هو يحدّثني و أجيبه [١] إذا بوصيفة قد جاءته، فأسرّت إليه شيئا، فقال لي: أ تدري ما أسرّت هذه إليّ؟ قلت: لا، قال:
حدثتني أنها اجتازت بمحبوبة الساعة و هي في حجرتها تغنّي، أ فلا تعجب من هذا؟ إني مغاضبها، و هي متهاونة بذلك، لا تبدؤني بصلح، ثم لا ترضى حتى تغني في حجرتها، قم بنا يا عليّ حتى نسمع ما تغنّي. ثم قام، و تبعته، حتى انتهى إلى حجرتها فإذا هي تغني و تقول:
أدور في القصر لا أرى أحدا
أشكو إليه و لا يكلّمني
حتى كأني ركبت معصية
ليست لها توبة تخلّصني
فهل لنا شافع إلى ملك
قد زارني في الكرى فصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا
عاد إلى هجره فصارمني
فطرب المتوكّل، و أحست بمكانه. فأمرت خدمها، فخرجوه إليه، و تنحّينا و خرجت إليه، فحدّثته أنها رأته في منامها، و قد صالحها، فانتبهت، و قالت هذه الأبيات، و غنّت فيها. فحدّثها هو أيضا برؤياه، و اصطلحا، و بعث إلى كلّ واحد منا بجائزة و خلعة.
و لما قتل تسلّى عنه جميع جواريه غيرها، فإنها لم تزل حزينة مستلية هاجرة لكل لذة حتى ماتت. و لها فيه مراث كثيرة.
صوت
يا ذا الّذي بعذابي ظلّ مفتخرا
هل أنت إلا مليك جار إذ [٢] قدرا
لو لا الهوى لتجازينا [٣] على قدر
و إن أفق منه يوما ما فسوف ترى
الشعر يقال إنه للواثق، قاله في خادم له غضب عليه، و يقال: إن أبا حفص الشّطرنجي قاله له.
و الغناء لعبيدة الطنبورية رمل مطلق، و فيه لحن للواثق آخر، قد ذكر في غنائه.
[١] في س، ب «فاحدثه».
[٢] س، ب «أن».
[٣] و في س، ب «لتجارينا».