الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٤ - يحبس الفرزدق
سليمان يضربه مائة سوط
و قال ابن الكلبي: كان خالد بن عبد اللّه أميرا على مكة فأمر رأس الحجبة أن يفتح له الباب [١] و هو ينظر، فأبى فضربه مائة سوط. فخرج الشّيبيّ [٢] إلى سليمان بن عبد/ الملك يشكوه فصادف الفرزدق بالباب، فاسترفده [٣].
فلما أذن للناس، و دخلا شكا الشيبيّ ما لحقه من خالد، و وثب الفرزدق، فأنشأ يقول:
سلوا خالدا لا أكرم اللّه خالدا
متى وليت قسر قريشا تدينها [٤]
أقبل رسول اللّه أم ذاك بعده!
فتلك قريش قد أغثّ سمينها [٥]
رجونا هداه لا هدى اللّه خالدا
فما أمّه بالأم يهدى جنينها
فحمي سليمان و أمر بقطع يد خالد، و كان يزيد بن المهلّب عنده، فما زال/ يفدّيه [٦]، و يقبّل يده، حتى أمر بضربه مائة سوط، و يعفى عن يمينه، فقال الفرزدق في ذلك:
لعمري لقد صبّت على ظهر خالد
شآبيب ما استهللن من سبل القطر [٧]
أ يضرب في العصيان من كان طائعا
و يعصي أمير المؤمنين أخو قسر؟ [٨]
فنفسك لم فيما أتيت فإنما
جزيت جزاء بالمحدرجة السّمر [٩]
و أنت ابن نصرانيّة طال بظرها
غذتك بأولاد الخنازير و الخمر
فلو لا يزيد بن المهلّب حلّقت
بكفك فتخاء إلى الفرخ في الوكر [١٠]
لعمري لقد صال ابن شيبة صولة
أرتك نجوم الليل ظاهرة تسري [١١]
يحبس الفرزدق
فحقدها خالد على الفرزدق فلما ولّي، و حفر نهر العراق [١٢] بواسط قال فيه الفرزدق أبياتا يهجوه منها:
و أهلكت مال اللّه في غير حقّه
على النّهر المشئوم غير المبارك
[١] يريد برأس الحجبة رأس حجبة الكعبة، و بالباب باب الكعبة.
[٢] الشيبي: نسبة إلى بني شيبة الذين كانوا يقومون بسدانة الكعبة.
[٣] استرفده: استعان به.
[٤] تدينها: تخضعها، و تذلها، و في هج «تهينها» بدل «تدينها».
[٥] أغث سمينها: هزل ما كان سمينا من إبلها و شاتها.
[٦] يفديه: يقول له: جعلني اللّه فداءك.
[٧] الشآبيب: جميع شؤبوب، و هو الدفعة من المطر. السبل: المطر.
[٨] يريد أن خالدا يضرب الطائعين، و يعصي هو. و في «المختار»:
« يضرب في الإسلام»
. [٩] المحدرجة السمر: السياط.
[١٠] الفتخاء: العقاب اللينة الجناحين، يريد: لو لا يزيد لقطعت يدك، فالتقطتها عقاب لينة الجناحين، و جعلت منها غذاء لفرخها في وكره.
[١١] يريد أن هذه الصولة أرقتك، فجعلت تراقب النجوم في مساريها.
[١٢] في هد، هج «و حفر نهار المبارك بالعراق».