الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٥ - يظلل بن أبي ربيعة و عشيقته
خطبة مذكورة، حرضهم فيها. فذكر من روى عنه خبره في ذلك الموضع أنه قام و عليه عمامة خزّ سوداء، و هو متّكئ على قائم سيفه، فقال بعد حمد اللّه تعالى و الصلاة على نبيه صلى اللّه عليه و سلم: و قد كان من قضاء اللّه جل و عز أن جمعنا و أهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض، و اللّه يعلم أني كنت لذلك كارها، و لكنهم لم يبلعونا ريقنا، و لم يدعونا نرتاد لديننا و ننظر لمعادنا، حتى نزلوا في حريمنا و بيضتنا [١]. و قد علمنا أنّ بالقوم حلماء و طغاما. فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا و نسائنا، و قد كنا لا نحب أن نقاتل أهل ديننا، فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن يصير غدا قتالنا حميّة، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و الحمد للّه رب العالمين، و الذي بعث محمدا بالحق لوددت أنّي متّ قبل هذا، و لكن اللّه تبارك و تعالى إذا أراد أمرا لم يستطع العباد ردّه، فنستعين باللّه العظيم، ثم انكفأ.
خمول أبيه عبد اللّه و خنوثته منذ نشأته
و لم تكن لعبد اللّه بن يزيد نباهة من ذكرت من آبائه، و أهل المثالب يقولون: إنه دعيّ، و كان مع عمرو بن سعيد الأشدق على شرطته أيام خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قتل عمرو هرب حتى سألت اليمانية عبد الملك فيه لما أمّن الناس عام الجماعة، فأمّنه، و نشأ خالد بن عبد اللّه بالمدينة، و كان في حداثته يتخنّث، و يتتبع المغنين و المخنثين و يمشي بين عمر بن أبي ربيعة و بين النساء في رسائلهن إليه و في رسائله إليهن، و كان يقال له خالد الخرّيت [٢]/ فقال مصعب الزبيري: كل ما ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره، فقال: أرسلت الخرّيت أو قال:
أرسلت الجريّ [٣] فإنما يعني خالدا القسريّ، و كان يترسل بينه و بين النساء.
يظلل بن أبي ربيعة و عشيقته
أخبرني بذلك الحرميّ و محمد بن مزيد و غيرهما، عن الزبير، عن عمه، و أخبرني عمي: قال: حدثني الكراني، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال:
بينما عمر بن أبي ربيعة ذات يوم يمشي و معه خالد بن عبد اللّه القسري، و هو خالد الخزاعي الذي يذكره في شعره إذا هما بأسماء و هند اللتين كان عمر يشبّب بهما، و هما يتماشيان فقصداهما، و جلسا معهما مليّا، فأخذتهم السماء، و مطروا، فقام خالد و جاريتان المرأتين، فظلّلوا عليهم بمطرفة [٤] و بردين له، حتى كفّ المطر، و تفرقوا، و في ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:
/
أ في رسم دار معك المترقرق
سفاها و ما استنطاق ما ليس ينطق؟
بحيث التقى جمع و مفضى محسّر
معالم قد كادت على الدهر تخلق [٥]
ذكرت بها ما قد مضى من زماننا
و ذكرك رسم الدّار مما يشوّق
[١] البيضة: الحوزة و الحمى.
[٢] الخريت: الدليل الماهر في أمر الدلالة.
[٣] الجري: الرسول، أو الوكيل.
[٤] المطرفة: رداء من خز مربع فيه أعلام.
[٥] محسر: اسم مكان، و في هد «فنان» «بدل» «معالم» و بها يختل الوزن، نخلق: تبلى.