الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٢ - مصرعه على يد غلام دون المحتلم
لا أريم [١] حتى أصبح. فبات، حتى إذا كان في وجه الصبح، و قد رأى أهل البيت و عدّهم على النار، و أبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم، و غدوا على القوم، فقتلوا شيخا و عجوزا، و حازوا جاريتين و إبلا. ثم قال تأبّط: إني قد رأيت معهم غلاما؛ فأين الغلام الذي كان معهم؟ فأبصر أثره فاتّبعه، فقال له أصحابه: ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئا، فاتّبعه، و استتر الغلام بقتادة [٢] إلى جنب صخرة، و أقبل تأبّط يقصّه [٣] و فوّق الغلام سهما حين رأى أنه لا ينجيه شيء، و أمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة، فوثب على الصّخرة، و أرسل السهم، فلم يسمع تأبّط إلا الحبضة [٤] فرفع رأسه، فانتظم السهم قلبه، و أقبل نحوه و هو يقول: لا بأس، فقال الغلام: لا بأس، و اللّه لقد وضعته حيث تكره، و غشية تأبّط بالسيف و جعل الغلام يلوذ بالقتادة، و يضربها تأبط بحشاشته [٥]، فيأخذ ما أصابت الضّربة منها، حتى خلص إليه، فقتله، ثم نزل إلى/ أصحابه يجر رجله، فلما رأوه وثبوا، و لم يدروا ما أصابه، فقالوا: مالك؟ فلم ينطق، و مات في أيديهم، فانطلقوا و تركوه، فجعل لا يأكل منه سبع و لا طائر إلا مات، فاحتملته هذيل، فألقته في غار يقال له غار رخمان، فقالت ريطة أخته و هي يومئذ متزوجة في بني الدّيل:
نعم الفتى غادرتم برخمان
ثابت بن جابر بن سفيان [٦]
و قال مرّة بن خليف يرثيه:
إن العزيمة و العزّاء قد ثويا
أكفان ميت غدا في غار رخمان [٧]
إلّا يكن كرسف كفّنت جيّده
و لا يكن كفن من ثوب كتّان [٨]
فإن حرّا من الأنساب ألبسه
ريش الندى، و النّدى من خير أكفان [٩]
و ليلة رأس أفعاها إلى حجر
و يوم أور من الجوزاء رنّان [١٠]
أمضيت أول رهط عند آخره
في إثر عادية أو إثر فتيان [١١]
و قالت أم تأبط ترثيه:
و ابناه و ابن اللّيل [١٢]
[١] لا أريم: لا أنتقل.
[٢] القتاد: شجر معروف.
[٣] يقصه: يقتفي أثره.
[٤] الحبضة: نبضة السهم عند انطلاقه.
[٥] الحشاشة: بقية الروح في الجريح أو المريض.
[٦] رخمان، بضم الراء كما في «القاموس»، فقد ذكرها، و أشار إلى أن تأبط شرا قتل فيها، و في ف «رجمان». و البيت من السريع، و ثابت بدل من الفتى، و نوّن للضرورة.
[٧] العزاء: السنة الشديدة، و لا مكان لها هنا، فلعله يعني الغراء مؤنث الأغر، أي إن العزيمة و النفس الغراء قد ثويا ... إلخ.
(٨- ٩) الكرسف: القطن: يقول: إن لم تكفن في قطن أو كتان فقد كفنت في ثياب المجد و الكرم.
[١٠] رأس أفعاها إلى حجر: لعله كناية عن عدم انزوائها في حجرها، فهي متهيئة للدغ، و أور: جمع أوار بمعنى الحر الشديد، و الجوزاء: برج في السماء، و لعلها كانت رمزا لاشتداد الحرارة عند العرب.
[١١] الرهط: يراد به هنا اللقم أي تناول الطعام: يقول: رب ليلة لا تنام أفاعيها، و يوم شديد الحرارة قضيته قانصا في إثر وحوش عادية أو غازيا في إثر فتيان، و أنت طاوي البطن.
[١٢] انظر تعليقنا على هذا الكلام عند ما يكرره المؤلف بعد قليل ص ١٧١.