الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٩
ان أكل الدواء الفلانى يزيد فى الذكاء، و أكل الدواء الآخر يزيد فى القوة الفلانية. فلم لا يجوز وجود دواء آخر يزيد فى قوة الادراك و العقل زيادة منتهية الى حد الاعجاز. و مع هذا الاحتمال لا يمكن القطع بأن هذا المعجز فعل الله تعالى؟
الوجه الثالث: لم لا يجوز أن يقال: ظهور هذه المعجزات انما كان باعانة الجن و الشياطين. و ذلك لأنا و ان كنا نعرف مقادير عقول البشر، و قدرهم. الا أنا لا نعرف مقادير عقول الشياطين و قدرهم، فلعل هذه المعجزات حصلت باعانة الشياطين و لعل الاخبار عن الغيوب، حصل بإلقاء الشياطين تلك الغيوب إليهم.
لا يقال: هذا باطل من وجهين:
الأول: ان الأنبياء- عليهم السلام- دعوا الخلق الى لعن الشياطين فكيف يليق بالشياطين أن يعينوهم؟
و الثانى: انا انما نثبت الجن و الشياطين بأخبار الأنبياء عليهم السلام، فلو جعلنا القول بالجن الشياطين طاعنا فى النبوة، كنا قد أبطلنا الأصل بالفرع. و ذلك باطل.
لأنا نجيب عن الأول: بأن الشياطين اذا كان مشغوفا باضلال الخلق- و هذا الطريق يفضى الى حصول مقصوده- لم يبعد أن يرضى بذلك اللعن، ليحصل هذا المقصود له.
و نجيب عن الثانى: انا لا نحتاج فى مقام السؤال الى الجزم بوجود الجن و الشياطين، بل يكفينا مجرد الاحتمال. و مجرد الاحتمال لا يتوقف القول بصحة النبوة.
الوجه الرابع: ان محمدا عليه السلام كان يقول: «جبريل- عليه السلام- هو الّذي يأتينى بهذا القرآن» و هذا المعنى مذكور فى القرآن. قال الله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» [التكوير ١٩]