الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٠
و هذان اللفظان- أعنى «الْمُصْطَفَيْنَ» و «الْأَخْيارِ»- يتناولان جملة الأفعال و التروك، بدليل: جواز الاستثناء. يقال: فلان من المصطفين الأخيار الا فى كذا، و الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل.
فدلت هذه الآية على أنهم كانوا من المصطفين الأخيار فى كل الأمور.
و هذا ينافى صدور الذنب عنهم.
و نظيره قوله تعالى: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، وَ مِنَ النَّاسِ» [الحج ٧٥] و كذلك قوله: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً، وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ، عَلَى الْعالَمِينَ» [آل عمران ٣٣]: و قال فى حق ابراهيم: «وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا، وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» [البقرة ١٣٠] و قال فى حق موسى: «إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي» [الأعراف ١٤٤] و قال تعالى:
«وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ، إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» [ص ٤٧] و لا يقال: الاصطفاء لا يمنع من فعل الذنب، بدليل قوله تعالى:
«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا. فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ. بِإِذْنِ اللَّهِ. ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» [فاطر ٣٢]. قسم المصطفين الى الظالم، و المقتصد، و السابق.
نقول: الضمير فى قوله «فَمِنْهُمْ» عائد الى قوله «مِنْ عِبادِنا» لا الى قوله «اصْطَفَيْنا» لأن عود الضمير الى أقرب المذكورين واجب.
الحجة التاسعة: قوله تعالى حكاية عن ابليس: «فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» [ص ٨٢- ٨٣] استثنى المخلصين عن اضلاله و اغوائه، ثم انه تعالى شهد على ابراهيم و إسحاق و يعقوب، أنهم من المخلصين، حيث قال: «إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ