الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٨
و أما الحجة الثانية- و هى قوله: «الأرواح لو كانت قديمة، لكنا نتذكر الآن شيئا من الأحوال الماضية-. قلنا: هذا تمسك بالاستقراء و هو ضعيف أيضا. فلم لا يجوز أن يقال: تذكر النفس للأحوال الماضية مشروط بتعلق النفس بالبدن، الّذي معه حدثت تلك الأحوال. فاذا فنى ذلك البدن، امتنع تذكر الأحوال التى حصلت مع ذلك البدن.
الوجه الثانى فى الاعتراض على هذه الحجة: سلمنا أنها ليست أزلية. فلم قلتم بأنها لا تكون أبدية؟ قوله: «لو كانت أبدية لكانت النفوس الموجودة الآن غير متناهية».
قلنا: هذا بناء على أن الأدوار الماضية غير متناهية. و قد بينا ابطال ذلك فى مسألة الحدوث.
سلمنا و لكن لم لا يجوز أن يقال: حصل الآن نفوس غير متناهية؟
قوله: «كل عدد موجود فهو قابل للزيادة و النقصان، و كل ما كان كذلك فهو متناه».
قلنا: هذه المقدمة فيها بحث دقيق، ذكرناه فى الكتب الفلسفية.
و أما القول الثالث- و هو قول من يقول: «النفوس الفاضلة العالمة تبقى بعد موت البدن، و النفوس الجاهلة تفنى. مثل نفوس الأطفال و الجهال»- فهذا القول منقول عن الحكيم «باسيطيوس» و احتج عليه بوجهين:
الحجة الأولى: ان النفوس الخالية عن العلوم و الأخلاق الفاضلة، لو بقيت بعد الموت. لبقيت اما معطلة أو معذبة. و ابقاء الشيء فى التعطيل أو فى التعذيب أبد الآباد غير لائق بحكمة الحكيم.
الحجة الثانية: ان العلم سبب للقوة، و الجهل سبب للضعف، ألا ترى أن العالم بالشيء اذا خاض فيه كان قوى القلب، و الجاهل