الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٨
قلنا: ليس الأمر كذلك، بل نقول: ان دلالة المعجزة على التصديق أمر معلوم بالضرورة. و المقصود من ذكر المثال: التنبيه على صدق قولنا: ان هذا الشيء معلوم بالضرورة. لا أنا نقيس صورة على صورة. فهذا غاية الكلام فى هذا الدليل.
و أما منكرو النبوة فقد احتجوا بوجوه:
الشبهة الأولى:
قالوا: التكليف باطل، فالبعثة أيضا باطلة.
أما المقدمة الأولى:- و هى أن التكليف باطل- فقد احتجوا عليه بوجوه:
الأول: ان الجبر حق، فالتكليف باطل. انما قلنا: ان الجبر حق. و ذلك لأنا بينا فى مسألة خلق الأفعال: أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى. و اذا كان الأمر كذلك، فحال ما خلق الله تعالى تلك الأفعال، لا يتمكن العبد من ترك الفعل، و حال ما لا يخلقها فيهم، لا يتمكن من الفعل. فثبت: أن على هذا التقدير لا يكون العبد قادرا البتة لا على الفعل و لا على الترك.
و انما قلنا: انه لما كان الجبر حقا كان التكليف باطلا، لأنا نعلم ببداهة العقل: أن من قيد يدى الانسان و رجليه بالقيود الشديدة، ثم ألقاه من شاهق جبل، ثم يقول له: قف فى الهواء، و الا عذبتك عذابا شديدا مؤيدا، فان هذا مستقبح فى بداهة العقل، و لو أنه كلف الأعمى بنقط المصاحف، و كلف المفلوج أن يطير فى الهواء، فجميع العقلاء يدركون قبح ذلك فى بداهة عقولهم، و يقطعون بأن هذا لا يليق بأحكم الحاكمين. فثبت بما ذكرنا: أن الجبر حق، و ثبت أنه متى كان الجبر حقا، كان التكليف باطلا.
الثانى: ان البارى- سبحانه و تعالى- عالم بجميع المعلومات.
و الشيء الّذي حصل التكليف به، اما أن يكون معلوم الوقوع أو معلوم