الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨١
الحجة الأولى:
قوله تعالى: «لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» (النساء ١٧٢) فهذا يقتضي أن تكون الملائكة أفضل من المسيح. ألا ترى أنه يقال: ان فلانا لا يستنكف الوزير من خدمته، بل السلطان. و لا يقال: انه لا يستنكف السلطان من خدمته، بل الوزير. فلما ذكر المسيح أولا، ثم الملائكة ثانيا، علمنا: أن الملائكة أفضل من المسيح.
و الاعتراض عليها من وجوه: الأول: ان محمدا عليه السلام أفضل من المسيح. و لا يلزم من كون الملائكة أفضل من المسيح، كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه و آله و سلم.
الثانى: ان قوله تعالى: «وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» صيغة لجمع، و صيغة الجمع تتناول الكل و هذا يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح. فلم قلتم: انه يقتضي كون كل واحد من الملائكة أفضل من المسيح؟
و الثالث: ان الواو فى قوله تعالى: «وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» حرف العطف، و هو مفيد الجمع المطلق و لا يفيد الترتيب- على ما ذكرناه فى أصول الفقه- و أما المثال الّذي ذكرتموه فليس بحجة. لأن الحكم الكلى لا يثبت بالمثال الجزئى، ثم انه معارض بسائر الأمثلة كقولك:
«ما أعاننى على هذا الأمر، لا زيد و لا عمر» و هذا لا يفيد كون المتأخر فى الذكر أفضل من المتقدم. و منه قوله تعالى: «وَ لَا الْهَدْيَ، وَ لَا الْقَلائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ» (المائدة ٢) و لما اختلفت الأمثلة، امتنع التعويل عليها.
ثم التحقيق فى هذه المسألة: أنه اذا قيل: هذا العالم لا يستنكف الوزير من خدمته و لا السلطان. فنحن نعلم بعقولنا: أن السلطان أعظم درجة من الوزير، فعلمنا: أن الغرض من ذكر الثانى هو المبالغة.
و هذه المبالغة انما عرفناها بهذا الطريق، لا بمجرد الترتيب فى الذكر.