الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٩
و اعلم: أن مرادنا من اللطف: الأمر الّذي علم الله تعالى من حال المكلف أنه متى وجد ذلك الأمر، كان حاله الى قبول الطاعات و الاحتراز عن المعاصى، أقرب مما اذا لم يوجد ذلك الأمر، بشرط أن لا ينتهى الى حد الالجاء.
اذا عرفت هذا فنقول: انما قلنا: أن نصب الامام لطف، لأن الخلق اذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم عن المعاصى، و يأمرهم بالطاعات، كان حالهم فى القرب من الطاعات، و البعد من المعاصى، أكمل مما اذا لم يكن لهم مثل هذا الرئيسى. و العلم بصحة ما ذكرناه بعد استقراء العادات ضرورى.
و انما قلنا: ان اللطف واجب على الله تعالى لوجهين:
الأول: أن من اتخذ ضيافة الانسان، و علم أن ذلك الانسان لا يحضر فى تلك الضيافة، الا اذا ذهب إليه المضيف بنفسه، و التمس منه الحضور، فان صدق فيما قال إنه يريد حضور ذلك الانسان فى ضيافته وجب أن يذهب إليه بنفسه، و يلتمس منه الحضور، و ان لم يذهب إليه و لم يلتمس منه الحضور، مع علمه بأنه ان لم يفعل ذلك لم يحضر، علمنا: أنه ما كان يريد حضور ذلك الانسان فى ضيافته. فكذا (هاهنا) انه تعالى (لو) أراد من العبد فعل الطاعات و الاجتناب عن المحظورات و علم أنه لا يقدم العبد على ذلك الفعل الا اذا نصب الله تعالى له إماما، وجب أن تكون تلك الإرادة مستلزمة لارادة نصب الامام. فان لم يرد هذا، امتنع كونه مريدا لتلك الطاعات.
الثانى: ان فعل اللطف ازاحة لعذر المكلف، فوجب أن يكون واجبا، قياسا على التمكين.
و الجواب عنه من وجوه كثيرة ذكرناها فى «نهاية العقول» و فى كتاب «المحصول فى الأصول» و نذكر هاهنا نكتا كافية فى هذا الباب: