الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٨
بل الحكمة فى انزالها: أن السحرة كانوا يتلقون [١٤] الغيب من الشياطين، و كانوا يلقونها فيما بين الخلق، و كان ذلك تشبيها بالوحى النازل على الأنبياء عليهم السلام. فالله تعالى أمرهما بالنزول الى الأرض حتى يعلما كيفية السحر للناس، حتى يظهر بذلك الفرق بين كلام الأنبياء و بين كلام السحرة. و إليه الاشارة فى قوله تعالى حكاية عنهما: «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ، فَلا تَكْفُرْ» [البقرة ١٠٢]: نحن انما نعلمكم السحر لتتوصلوا به الى الفرق بين المعجزة و السحر، فلا ينبغى أن تستعملوا هذا السحر فى أغراضكم الباطلة. فانكم ان فعلتم ذلك كفرتم.
و الحاصل: أنه تعالى انما أنزلهما ليحصل بسبب ارشادهما:
الفرق بين الحق و الباطل، و بين المعجزة و السحر. و الجهال قلبوا القصة، و جعلوا ذلك سببا للطعن فى هذين المعصومين، و ذلك جهل عظيم.
الشبهة الرابعة: التمسك بقوله تعالى فى صفة الملائكة: «وَ مَنْ
السماء. و الله تعالى
كذب هذه القصة بقوله:
«وَ ما أُنْزِلَ عَلَى
الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ»
أى أنه نفى نزول أى شيء على الملكين خلافا لادعاء اليهود أنهما نزلا و علما
السحر. كما نفى كفر سليمان عليه السلام بقوله
«وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ. وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ»
أى علماء اليهود هم الذين كفروا. ثم نفى الله ادعاء اليهود بأن الملكين ما علما،
الا بعد أن قالا:
«إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ»
نفاه بقوله:
«وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ. حَتَّى يَقُولا: إِنَّما
نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ. فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ»
و مثل ذلك ما اذا قلت:
١- ما جاءنى زيد الفقيه ٢- حتى تقول: انه علمنى الفقه ٣- فتطلب منى أن أفتيك فانك
اذا نفيت مجىء زيد، نفيت كل ما ترتب على مجيئه.
[١٤] يتلقفون: ا