الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٧
و أخفوا عن الناس بعضا.
و هذا الّذي تعمدوا اظهاره و اخفاءه يمكن أن نقسمه الى قسمين.
القسم الأول: لبس الحق
بالباطل. أى أنهم يذكرون النص الأصلي، ثم يضيفون كلمة أو كلاما. أو يحذفون. للايهام
و غموض المعنى
«وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ»
[البقرة ٤٢] القسم الثانى: تحريف الكلم من بعد مواضعه. أى وضع كلمة تحتمل معنيين
«يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ
إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ، وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا»
[المائدة ٤١].
و لقد غيرت التوراة
الأصلية فى «بابل» على هذا النحو، و استقرت من بعد «بابل» على وضعها الحالى. و
انتشرت فى العالم، و لذلك صعب على اليهود تحريفها لفظيا. و لجئوا الى نوع من
التحريف عجيب. و هو تحريف الكلم عن مواضعه بالتأويلات الفاسدة
«يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ»
[النساء ٤٦] و نورد هنا مثالا للايضاح و البيان:
طلبه الله من موسى عليه
السلام أن يجمع بنى اسرائيل ناحية جبل الطور ليسمعوا صوت اللَّه و هو يتكلم مع
موسى فيخشون اللَّه و يهابونه الى الأبد «قال لى الرب: اجمع لى الشعب فأسمعهم
كلامى لكى يتعلموا أن يخافونى كل الأيام التى هم فيها أحياء على الأرض.
و يعلموا أولادهم.
فتقدمتم و وقفتم فى أسفل الجبل، و الجبل يضطرم بالنار الى كبد السماء بظلام و سحاب
و ضباب، فكلمكم الرب من وسط النار، و أنتم سامعون صوت كلام، و لكن لم تروا صورة بل
صوتا» [تثنية ٤: ١٠- ١٢] لكن بنى اسرائيل طلبوا من موسى أن يكلم الله أن لا يحدث
هذا المنظر الرهيب مرة أخرى، بل اذا أراد مخاطبتهم يخاطبهم عن طريق موسى. و هم منه
يسمعون فوعدهم الله بنبي يأتى من بعد موسى فى هذا النص:
(يقيم لك الرب إلهك:
نبيا. من وسطك. من اخوتك. مثلى.
له تسمعون. حسب كل ما
طلبت من الرب إلهك فى حوريب يوم الاجتماع