الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٦
«فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ» [الحجر ٣٠] و الاستثناء لا يكون الا من الجنس [١١].
الثانى: انه لو لم يكن من الملائكة، لكان أمر الله للملائكة بالسجود، غير متناول له، فوجب أن لا تحصل له صفة الذنب بترك السجود، فضلا عن الكفر.
و الجواب عن الشبهة الثانية: لا نسلم أن ابليس كان من الملائكة.
و يدل عليه وجوه:
الأول: ان ابليس كان من الجن، و الجن ليسوا من الملائكة.
لقوله تعالى: «وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ قالُوا: سُبْحانَكَ. أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ» [سبأ ٤٠- ٤١] دلت الآية على أنهم ما كانوا يعبدون الملائكة، بل كانوا يعبدون الجن. فوجب أن يكون الجن جنسا آخر غير الملائكة.
الثانى: ان ابليس له ذرية. لقوله تعالى: «أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي؟ [الكهف ٥٠] و الملائكة لا ذرية لهم، لأن الذرية لا تكون الا عند اجتماع الذكر و الأنثى، و ليس فى الملائكة أنثى.
لقوله تعالى: «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً» [الزخرف ١٩].
[١١] هذا الحوار دائر
على أن الملائكة بمعنى الأجسام اللطيفة النورانية. و لكن اذا فسرت الملائكة
بالاتباع. فانه يدخل فيهم الجن لأنهم أتباع الله، و يدخل فيهم الشياطين قبل
العصيان لأنهم كانوا أتباع الله. و مثل ذلك ما لو أن ملكا من الملوك جعل له جندا و
أعوانا من الترك و البرير و العرب و غيرهم. فانهم يسمون أتباعه أو يسمون ملائكته
على سبيل المجاز.