الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٨
شيخ من غير أب و لا أم. و لكنا اذا شاهدنا «زيدا» لم نأمن من أن يكون الله خلق فى هذه الساعة شيخا من غير أب و لا أم. مثل «زيد» فى صورته و شكله و تخطيطه. و معلوم أن تجويز هذه الأشياء يفضى الى الجهالات. و لما كان ذلك باطلا، علمنا: أن انخراق العادات غير ممكن.
الاعتراض الثانى:
سلمنا أن انخراق العادات غير ممتنع، الا أنا نقول: لم قلتم: ان هذا حاصل بايجاد الله. و تقرير هذا السؤال من وجوه:
الأول: نحن بين أمرين: اما أن نثبت النفس الناطقة البشرية، و إما أن لا نثبتها. فان أثبتنا النفس الناطقة، فلم لا يجوز أن يقال: ان النفس النبي عليه السلام مخالفة لسائر النفوس بالماهية و الحقيقة. فهى لماهيتها المخصوصة و حقيقتها التى باعتبارها امتازت عن سائر الحقائق، قدرت على ما لا يقدر عليه غيره. و أما ان قلنا: ان القول بالنفوس الناطقة باطل، فلا بد أن نعترف أن لكل واحد من أشخاص الناس مزاجا مخصوصا و تركيبا مخصوصا، به امتاز عن سائر الأشخاص. فلم لا يجوز أن يقال: ما به امتاز هذا الشخص عن سائر الأشخاص، علة لكونه قادرا على الأفعال التى يعجز عنها غيره؟
ألا ترى أن لكل انسان مزاجا مخصوصا و ذلك المزاج يقتضي فى ظاهره خلقا، و فى باطنه خلقا لا يحصلان البتة فى غيره. فلم لا يجوز أن يقال: تلك المخصوصة تكون مبدأ لتلك القدرة المخصوصة؟ و على هذا التقدير لا يمكننا أن نعلم أن هذا المعجز هو فعل الله تعالى.
الوجه الثانى فى تقرير هذا المقام: هب أن تلك المعجزات لم تحصل لأجل خصوصية نفسه، أو خصوصية بدنه. لكن لا شك أن أنواع الأدوية كثيرة. و الآثار الصادرة عنها عجيبة كثيرة. فلم لا يجوز أن يقال: ان هذا المدعى وجد دواء، له قوة و خاصية تقتضى ظهور تلك الآثار و المعجزات عن تناول ذلك الدواء؟ ألا ترى أن الناس يقولون: