الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٤
الصادر عنه الى الصنم، و انما قصد تقريره لنفسه على أسلوب تعريضى به. و هذا كما لو قال صاحبك- و قد كنت كتبت كتابا بخط حسن، و أنت مشهور بحسن الخط- أنت كتبت هذا و صاحبك أمى لا يحسن الخط، و لا يقدر الا على حروف خربشة فاسدة. فقلت له: بل كتبته أنت. و كان قصدك بهذا الجواب: تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك و اثباته للأمى، لأن اثباته و الأمر دائر بينهما للعجز، استهزاء به و اثبات للقادر.
و ثانيها: ان ابراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام، حين أبصرها مزينة. و كان غيظه من كبيرها أشد، لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه، لأنه هو السبب فى استهانته بها، و حطمه لها. و الفعل كما يسند الى المباشر، فقد يسند الى السبب الحامل عليه.
و ثالثها: يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» [الأنبياء ٦٣] ثم يبتدئ فيقول: «فَسْئَلُوهُمْ» و المعنى: بل «فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» و عنى به نفسه. لأن الانسان أكبر من كل صنم.
الشبهة الثالثة: قوله تعالى: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ» [الصافات ٨٨- ٨٩] و التمسك بها من وجهين:
الأول: ان النظر فى علم النجوم حرام.
الثانى: ان قوله «إِنِّي سَقِيمٌ»: كذب.
و الجواب عن الأول: لا نسلم أن النظر فى علم النجوم حرام مطلقا، بل من نظر فيها ليستدل بها على توحيد الله تعالى، كان ذلك أعظم الطاعات. و لهذا السبب استحق ابراهيم عليه السلام المدح بالنظر فى النجوم. و هو قوله: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً» [الأنعام ٧٦].