الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠
و اما لأنها و ان كانت مساوية لهذه الأجسام العنصرية فى الماهية، الا أن الفاعل المختار صانها عن التغير و الانحلال بقدرته، و جعلها باقية دائمة من أول العمر الى آخره.
ثم عند الموت تنفصل تلك الأجزاء الجسمانية التى هى الانسان، و تبقى على حالتها حية مدركة عاقلة فاهمة. و تتخلص اما الى منازل السعداء. كما قال الله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [آل عمران ١٦٩] و أما الى منازل الأشقياء. كما قال الله تعالى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا» [غافر ٤٦] ثم انه تعالى يضم يوم القيامة الى هذه الأجزاء الأصلية التى هى الانسان فى الحقيقة، أجزاء أخر زائدة كما فعل ذلك فى الدنيا، و يوصل الثواب و العقاب إليه. و على هذا التقدير لا يبقى فى المعاد الجسمانى شبهة و اشكال أصلا البتة.
و على هذا التقدير يكون المثاب و المعاقب فى القيامة، عين من كان مطيعا و عاصيا فى الدنيا. و هذا على القول بأن الانسان جسم مخصوص، سار فى هذا البدن. و أما على قول من يقول: الانسان عبارة عن جوهر مجرد عن الحجمية و المقدار، فالقول فيه أيضا هكذا. فظهر أن على هذا التلخيص، لا تبقى شبهة البتة، فى صحة القول بالمعاد الجسمانى.
فان قيل: أ لستم قد دللتم على أن كل ما سوى الله تعالى، فانه يفنى و يصير معدوما. و على هذا التقدير، فالنفس الانسانية أيضا تفنى و تعدم. و حينئذ يعود الاشكال.
قلنا: نحن قد أثبتنا بالدليل العقلى: أن كل ما سوى الله تعالى فانه جائز العدم. أما أن هذا الجائز يقع، فانا انما عولنا فيه على ظواهر العمومات. و تخصيص العموم بالدليل جائز، و ثبت بنصوص