الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧٩
البشر بعضها مبنية على النصوص، و بعضها على الاستنباط. قال تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» (الحشر ٢) و قال تعالى:
«لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (النساء ٨٢) و التمسك بالاجتهاد و الاستنباط فى معرفة الشيء، أشق من التمسك بالنصوص.
الثالث: ان الانسان مبتلى بوسوسة الشيطان. و هذه الآفة غير حاصلة للملائكة.
الرابع: أن شبهات البشر أكثر، و ذلك لأن من جملة الشبهات القوية ربط الحوادث الأرضية بالاتصالات الفلكية و المناسبات الكوكبية.
و الملائكة ليس لهم هذا النوع من الشبهة، لأنهم سكان السموات، و مشاهدون أحوالها، فيعلمون بالضرورة: أنها ليست بأحياء و لا ناطقة، بل هى مفتقرة الى التدبير كافتقار الأرضيات. فثبت بهذه الوجوه:
أن طاعات البشر أفضل.
و انما قلنا: ان الأشق أفضل، للنص. و القياس.
أما النص. فقوله عليه السلام: «أفضل الأعمال أحمزها» ٢ أى أشقها. و قال عليه السلام لعائشة رضى الله عنها: أجرك على قدر نصبك» ٣.
و أما القياس: فهو أن الطاعات السهلة و الطاعات الشاقة لو اشتركا
زيد أفضل أم عمرو أفضل؟
لأن التفاوت ممكن بحسب النشاط و العمل.
لكن اذا قلنا زيد أفضل
أم الفرد أفضل؟ فانه يكون قول لا طائل تحته.
لأن زيدا هكذا خلق، و
القرد هكذا خلق. و الله أراد اختلافهما فى النوع. و الملائكة نوع من خلق الله
يختلف عن الآدميين الذين هم نوع من خلقه أيضا. و كل يتحرك و يعمل على حب نوعه فلما
ذا التفاضل؟