الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٤
ثم نقول: هذه الراحة اما أن تكون فى هذا العالم. أو فى عالم آخر. لا جائز أن يقال: انها فى هذا العالم. لأن الّذي يظنه الانسان لذة فى هذا العالم، فهو ليس بلذة، بل هو دفع الألم. مثاله: ان لذة الأكل ليست فى الحقيقة لذة، بل هى دفع ألم الجوع. و لذلك فان ألذ اللقم هى اللقمة الأولى، لأن هناك ألم الجوع أقوى. و كل لقمة هى أكثر تاخرا، كانت أقل لذة. و ذلك لأن ألم الجوع هناك، أقل قوة، و كذلك لذة الوقاع عبارة عن دفع الألم. و ذلك لأن الفضلة التى يتولد منها المنى، لما اجتمعت فى أوعية المنى، حاولت الانفصال. فقبل الانفصال يحصل نوع ألم يسبب اجتماعها فى تلك الأوعية، فاذا انفصلت زال ذلك الألم. و على هذا القياس سائر اللذات الحاصلة فى هذا العالم.
و أيضا: فبتقدير أن تحصل فى هذا العالم لذة جسمانية، لكنها قليلة. و الغالب اما الألم أو دفع الألم. و ليس من الحكمة القاء الحيوان فى بحر الآلام و المكروهات، لأجل أن يعود إليه ذرة من اللذات. و لما ثبت: أن الحيوان انما خلق لأجل اللذة و الراحة، و ثبت: أن ذلك المقصود غير حاصل فى هذا العالم، فلا بد من القطع بوجود عالم آخر، بعد هذا العالم، يحصل فيه هذا المقصود. و ذلك هو الدار الآخرة.
فهذه طريقة اقناعية. و الاعتماد على ما تقدم. و هذا حاصل الكلام فى المعاد الجسمانى.
الفصل السادس فى المعاد الروحانى
اعلم: أن هذا البحث [١] متفرع على اثبات أن النفس جوهر
[١] النصارى يقولون
بالمعاد الروحانى و قد بينا رأيهم فى تقديمنا لكتاب نفخ الروح و التسوية للامام
الغزالى