الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٨
الحجة السابعة:
الملائكة أتقى من البشر. و ألا تقى أفضل.
انما قلنا: انهم أتقى لأنهم مبرءون عن الزلات و عن الميل إليها، لأن خوفهم دائم. قال تعالى: «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» (النحل ٥٠) و قال: «وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ» (الأنبياء ٢٨) و الخوف و الاشفاق ينافيان العزم على المعصية. أما الأنبياء- عليهم السلام- فلم يخل أحد منهم عن شيء هو صغير، أو ترك مندوب.
قال عليه السلام: «ما منا أحد الأعمى، أو هم بمعصية، غير يحيى بن زكريا».
انما قلنا: ان الأتقى أفضل، لقوله: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» (الحجرات ١٣) فاثبات الكرامة مقرونا بذكر التقوى، يدل على أن تلك الكرامة معللة بالتقوى، و حيث كان التقوى أكثر، وجب أن تكون الكرامة و الفضيلة أكثر.
لا يقال: فهذا يقتضي أن يكون «يحيى» أفضل من الأنبياء، و من محمد عليه السلام لأنه قال: «ما منا أحد الا عصى أو هم بمعصية، عير يحيى بن زكريا».
لأنا نقول: هذه الصورة خصت بدلالة الاجماع، فيبقى الدليل حجة فى سائر الصور.
الحجة الثامنة:
الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد، ألا بدءوا بالاستغفار لأنفسهم، ثم بعد ذلك استغفروا لغيرهم من المؤمنين.
قال آدم عليه السلام: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» (الأعراف ٢٣) و قال نوح: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَ لِوالِدَيَّ، وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً» (نوح ٢٨) و قال ابراهيم: «رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» (الشعراء ٨٣) و قال موسى: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي» (الأعراف ١٥١) و قال تعالى لمحمد عليه السلام: «وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ»