الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٢
فو كان «على»- رضى الله عنه- منصوصا عليه نصا ظاهرا، لعرفوه. و لو عرفوه لقالوا لأبى بكر: نحن أردنا أن نأخذ الخلافة لأنفسنا، فلما منعتنا عنها، فنحن نمنعك أيضا عن الظلم، و نسلمها الى مستحقها. فان من المعلوم: أن الخصم القوى اذا وجد مثل هذا الطعن، لا يتركه.
فثبت بما ذكرنا: أن الامامة لو كانت حقا لعلى بالنص، لكان فى غاية القدرة على أخذها و منع الظالم المنازع فيها. و أما أبو بكر فمعلوم أنه ما كان معه عسكر و لا شوكة و لا مال. و عند الروافض أنه كان ضعيفا جبانا. و متى كان الأمر كذلك، استحال فى مثل «على» مع كثرة أسباب أمره و القوة و الشوكة فى حقه، أن يصير عاجزا فى يد شيخ ضعيف، ليس له مال و لا عسكر، او لا قوة بدن و لا قوة قلب، ثم يبلغ ذلك العجز الى حيث لم يخرج عن داره، و لم يظهر المحاربة و المنازعة بوجه من الوجوه. و هذا مما لا يقبله العقل البتة.
و اعلم: أن أحوال الاثنى عشرية فى هذا الباب عجيب. و ذلك لأنهم اذا وصفوا عليا بالشجاعة و الشوكة، بالغوا فى ذلك الوصف بحيث يخرجونه عن المعقول. و اذا تكلموا فى هذه المسألة، وصفوا عليا بالعجز، و يبالغون فيه مبالغة يخرجونه عن المعقول.
المقدمة الثالثة: أن نقول: لما ثبت بالاجماع: أن الامام أحد هؤلاء الثلاثة فنقول: وجدنا عليا و عباسا، تركا المنازعة مع أبى بكر. و ذلك الترك اما للعجز أو للقدرة، لا جائز أن يكون للعجز، لما قررناه فى المقدمة الثانية. فثبت: أنهما تركا المنازعة مع القدرة على المنازعة.
فان كانت الامامة حقا لواحد منهما، كان ترك هذه المنازعة معصية كبيرة. و ذلك يوجب انعزالهما. و اذا ثبت انعزالهما، ثبت القول بامامة أبى بكر رضى الله عنه. و ان لم تكن الامامة حقا لهما، وجب أن تكون حقا لأبى بكر، لئلا يخرج الحق عن جميع أقوال الأمة.