الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦١
العقلية، فان كان مجرد تجويز اشتمال الشيء على المفسدة، يمنع من الحكم بكونه لطفا، وجب أيضا: أن لا يحكموا بكون المعرفة لطفا، لأن هذا الاحتمال قائم فيها.
لأنا نقول: الفرق ظاهر. و ذلك لأن المعرفة لطف يجب علينا تحصيلها، و نحن اذا عرفنا فى الشيء كونه مشتملا على جهة من جهات الحسن، و لم نعرف فيه جهة من جهات القبح، غلب على ظننا كونه لطفا. و الظن فى حقنا قائم مقام العلم فى كونه سببا لوجوب الفعل علينا، فلا جرم كفى هذا القدر فى أن يجب علينا تحصيل معرفة الله تعالى.
أما أنتم فانما توجبون نصب الامام على الله تعالى، و لا يمكن الجزم بوجوبه على الله، الا اذا ثبت أنه فى علم الله تعالى خال عن جميع جهات المفسدة. فأين أحد البابين من الآخر، بل لو ورد دليل سمعى على أنه تعالى فعل ذلك: استدللنا بأن الله تعالى فعله، على خلوه عن جميع جهات القبح، و على كونه لطفا [١] فى نفسه، لا على أنه واجب على الله تعالى. فظهر الفرق بين البابين.
الرابعة: لا يبعد وجود زمان. متى نصب لأهل ذلك الزمان رئيس سائس، استنكفوا عن طاعته، فيصير ذلك الرئيس فى ذلك الزمان، سببا لازدياد الفتنة.
لا يقال: هذا و ان كان محتملا، الا أنه نادر. و النادر لا عبرة به.
لأنا نقول: هب أنه نادر، الا أنه لا زمان الا و يحتمل أن يكون ذلك الزمان، زمانا لذلك النادر. و بتقدير أن يكون كذلك، لم يكن نصب الرئيس فيه واجبا، و حينئذ لا يمكنكم أن تقطعوا فى شيء من الأزمنة، بأنه يجب فيه نصب الامام الرئيس على الله تعالى.
[١] اما أنتم عكستم هذا
الباب فاستدللتم بكونه لطفا فى نفسه على أنه واجب ... الخ: ب