الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٢
الأول: ان هذا الاجتماع غير مانع من هذا الجواز فى حق الاثنين و الثلاثة و العشرة و المائة. و العقل لا يمكنه أن يشير الى حد معين، و يحكم بأن الاجتماع الحاصل فى هذا العدد، يمنع من جواز الكذب، لأن أى عدد فرضه العقل فان حال العدد الزائد عليه- بواحد و اثنين، و حال العدد الناقص عنه بواحد و اثنين- فى ذلك الجواز على السوية.
و اذا كان هذا الجواز ثابتا فى الآحاد- و الحد المانع من هذا الجواز مفقود- وجب أن يقال: ان ذلك الجواز ثابت حال الاجتماع، كما كان ثابتا حال الانفراد. و اذا كان ذلك الجواز ثابتا حال الاجتماع، امتنع القطع بأن الكذب لا يقع.
الثانى: ان المتكلمين يقولون: لما كان كل واحد من الحوادث، له أول. وجب فى الكل أن يكون له أول. و كل العقلاء يقولون: اذا كان كل واحد من «الزنج» موصوفا بالسواد، وجب فى الكل أن يكونوا موصوفين بالسواد. فكذا هاهنا: لما جاز الكذب على كل واحد من المخبرين، وجب أن يكون هذا الجواز باقيا فى حق الكل.
الشبهة الثانية: هى أن الانسان انما يقدم على الكذب، لأنه حصل فى قلبه إرادة أن يكذب. و حصول هذه الارادات فى القلب:
اما أن يكون من الله تعالى، أو من العبد، أو حدثت لا عن محدث و مؤثر. و على التقديرات الثلاثة فكل ذلك جائز فى حق كل واحد من هؤلاء المخبرين، و لم يكن حصول هذا السبب فى حق بعضهم، مانعا و منافيا من حصوله فى حق الباقين. و اذا كان الأمر كذلك وجب القطع بأنه لا يمتنع حصول ذلك السبب الداعى الى الكذب فى حق الكل. و بتقدير وقوع الاشتراك فى تلك الإرادة، وجب وقوع الاشتراك فى الكذب.
و المعلق على سبب جائز الوجود كان هو أيضا جائز الوقوع. فثبت: