الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٣
فانه يجد الله معذبا معاقبا) بل قال «فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ». فدلت هذه الآيات: على أن جانب الحسنة راجح عند الله. و نظيره قوله تعالى: «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها» (الإسراء ٧) و لم يقل: و ان أسأتم أسأتم لها. فكأنه تعالى بالغ فى اظهار أفعاله الحسنة، حيث ذكرها مرتين، و ستر عليه اساءته، حيث لم يذكرها الا مرة واحدة. و كل ذلك يدل على أن جانب الحسنات راجح.
السادس: انا سنبين ان شاء الله تعالى أن قوله: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» (النساء ١١٦) لا يدل الا على العفو عن صاحب الكبيرة.
ثم انه تعالى أعاد هذه الآية فى السورة الواحدة مرتين، و الاعادة لا تحسن الا للتأكيد، و لم يذكر شيئا من آيات الوعيد على وجه الاعادة بلفظ واحد، لا فى سورة واحدة، و لا فى سور كثيرة، فدل على أن عناية الله فى الوعد أتم من مبالغته فى جانب الوعيد.
السابع: ان عمومات الوعيد و الوعد لما تعارضت، فلا بد من تأويل أحد الجانبين. و صرف التأويل الى جانب الوعيد أحسن من صرفه الى جانب الوعد. و ذلك لأن العفو عن الوعيد مستحسن فى العرف. أما اهمال الوعد فانه مستقبح، فكان صرف التأويل الى جانب الوعيد أولى من صرفه الى جانب الوعد.
الثامن: ان القرآن مملوء من كونه غافرا و غفورا، و أن له الغفران و المغفرة. و أنه رحيم كريم، و له العفو و الاحسان و الفضل و الأفضال و الأخبار الدالة على هذه المعانى قد بلغت مبلغا عظيما فى الكثرة و القوة. و ليس فى القرآن ما يدل على أنه بعيد عن الصفح و التجاوز و الكرم. و كل ذلك يفيد رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد.
ألا ترى الى قوله تعالى: «غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ» (غافر ٣) فقوله «غافِرِ الذَّنْبِ» ان كان المراد منه أنه يغفر مع التوبة، صار هذا عين قوله «قابِلِ التَّوْبِ» فيحصل التكرار.
ثم انه تعالى لما ذكر عقيب هذين الوصفين ما يدل على الوعيد، و هو