الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٢
لأنه يجوز فى العقل حصول هذه التصورات الأربعة بدون التصديق.
فالتصديق مجهول من حيث انه تصديق، و لكنه معلوم من حيث انه تصور و أما التصور فهو شيء واحد. فيستحيل أن يكون معلوما من وجه، مجهولا من وجه. فظهر الفرق.
أما القدماء. فقد احتجوا على قولهم: بأنا نجد من أنفسنا أنا نطلب تصور حقائق الأشياء. كقولنا: ما الملك؟ و ما الروح؟ و ذلك يدل على أن التصورات قد تكون مكتسبة.
و اعلم: أن الجواب عنه مبنى عنه مبنى على مقدمة. و هى: انه لا يمكننا أن نتصور شيئا، الا ما ندركه باحدى الحواس الخمس، أو نجده من النفس. كالألم و اللذة و الفرح و الغضب، أو ما يركبه العقل و الخيال من أحد هذه الأمور. كشجر من ياقوت، و بحر من زئبق.
اذا عرفت هذا، فنقول: قول القائل: ما الملك؟ و ما الروح؟
معناه: أنك تشير بهذا اللفظ الى هذه الصورة الحاضرة فى الذهن، فكان هذا الاستفهام فى تعيين المراد بهذا اللفظ. و أما التصديقات.
فلا شك أنها قسمان: بعضها بديهية، و بعضها كسبية. و لا شك أن المكتسب انما يكتسب من تركيب البديهيات. و لا شك أن أجلى البديهيات هو أن النفى و الاثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان.
فان قيل: أما أن النفى و الاثبات لا يجتمعان، فهو ظاهر.
و أما أنهما لا يرتفعان. فليس فى غاية الظهور، لم لا يجوز أن تكون بينهما واسطة؟
قلنا: العقل ما استحضر ماهية النفى و الاثبات، الا و جزم بأنه لا واسطة بينهما. فالمراد من الإثبات: كل ماله تحقق و تعين و تميز فى نفسه، و بالنفى ما لا تحقق له و لا تعين له، و لا تخصص له، البتة فى نفسه.
اذا عرفت هذا، فنقول: تلك الواسطة ان كان لها تعين و تخصص