الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٧
الأول: انه لما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون و يذمون و يعذبون فى الدنيا بسبب معاصيهم، كذلك أيضا حصلت آيات دالة على أنهم يعظمون و يمدحون فى الدنيا بسبب ايمانهم. قال الله تعالى: «وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، فَقُلْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ. كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (الأنعام ٥٤) فهم يرجحون الآيات الدالة على حصول الوعيد فى الآخرة بالآيات الدالة على حصول اللعن و الذم فى الدنيا. و نحن أيضا نرجح الآيات الدالة على حصول وعد الاحسان و العفو فى الآخرة، بالآيات الدالة على حصول المدح و التعظيم فى الدنيا. فلم كان قولهم أرجح من قولنا؟ بل كان الترجيح معنا من الوجوه المذكورة.
أقصى ما فى الباب أن يقال: فان كان لا يلعن و لا يذم فى الدنيا، فلم يقام فى الدنيا عليه الحد؟
فنقول: هذا ضعيف. لأن الحد قد يقام على سبيل التنكيل.
ألا ترى أن التائب قد يقام عليه الحد، مع أنه ليس هناك لعن و لا نكال. فعلمنا: أنه لا يمكن الاستدلال باقامة الحد على حصول استحقاق العذاب.
الوجه الثانى: ان آيات الوعد كما أنها معارضة لآيات الوعيد، فكذلك هى معارضة لكل آية دالة على معنى يستلزم حصول الوعيد فى الآخرة. و عندكم: أن الآيات الدالة على حصول المعن و الخزى و النكال و العذاب فى الدنيا، مستلزمة لحصول الوعيد فى الآخرة، فيحصل التعارض بين هذه الآيات و بين آيات الوعيد. و اذا حصل التعارض فى هذا المقام، لم تكن هذه الآيات مرجحة لآيات الوعد على آيات الوعيد، فيبقى ما ذكرناه من الترجيحات سليما عن المعارض.
الثالث: ان قوله تعالى: «وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ» شرع القطع فى حقهما «جَزاءً بِما كَسَبا، نَكالًا مِنَ اللَّهِ» و اجمعنا على أن حصول هذا المعنى، مشروط بعدم التوبة. فكذلك هاهنا أيضا لم لا يجوز أن يكون حصول هذا المعنى مشروطا بعدم العفو؟