الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٣
و ثانيها: ان اهل زمان داود، كان يسأل بعضهم بعضا، أن ينزل له عن امرأته ليتزوج بها، اذا أعجبته. و كان ذلك جائز فيما بينهم.
و اتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة «أوريا» فأحبها فسأله النزول عنها، فاستحيى أن يرده، ففعل. فتزوجها. و هى أم «سليمان» فقيل له: انك مع ارتفاع قدرك و كثرة نسائك، ما كان يليق بك أن تسأل رجلا ليست له الا امرأة واحدة، أن ينزل عنها، بل كان الواجب عليك قهر النفس.
و ثالثها: ان «أوريا» خطبها، ثم خطبها داود، فكان دينه انه خطب على خطبة اخيه، مع كثرة نساءه. و أهلها اختاروه و رابعها: ان داود عليه السلام كان مشتغلا بعبادة ربه، فأتاه رجل و امرأة يتحاكمان. فنظر الى المرأة ليعرفها بعينها، ليحكم عليها أولها. و ذلك مباح. فمالت نفسه إليها، ففصل بينهما، و عاد الى عبادة ربه، و استولى عليه الفكر فى أمرها، و صار مانعا له عن الاشتغال بعبادته فعوتب.
و خامسها: ان الصغيرة منه انما حصلت بسبب العجلة فى الحكم، قبل التثبت. و هو قوله: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ» بل كان الواجب عليه أن يسمع الدعوى من أحد الخصمين، ثم يسأل الآخر عما عنده فيها. و من قال بهذا الوجه، قال: ان الخوف الّذي حصل بسبب دخولهما عليه، فى غير الوقت اللائق بالدخول عليه، أنساه التثبت و التحفظ.
القصة الحادية عشر: قصة داود مع سليمان عليهما السلام:
قال الله تعالى: «وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» الى قوله: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» (الأنبياء ٧٨- ٧٩) قالوا: فلو كان داود مصيبا فى حكمه، لما خص الله تعالى سليمان بقوله: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ».