الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤٨
يكون المراد منه تشديد الملك بالمال و العسكر، مع كونه حراما من طريق الدين، لأن ذلك من صفات ملوك الكفرة، لا من صفات الأنبياء و الرسل.
و الخامس: قوله تعالى: «وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ» (ص ٢٠) و الحكمة اسم جامع لكل ما ينبغى علما و عملا، فكيف يجوز أن يقول الله: «وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ» مع اصراره على ما يستنكف عنه أخبث الشياطين، من مزاحمة أصحابه فى الزوج و فى المنكوح؟
أما الّذي بعد القصة. فأمور:
أحدها: قوله تعالى: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» (ص ٢٦) و هذا من أجل المدائح و أعظم المناصب، فلو توسط بين أول القصة- و فيه تلك المدائح- و بين آخرها- و فيه ذكر المعصية- لجرى مجرى من يقول: فلان عظيم الدرجة فى الدين، و عالى المرتبة فى طاعة الله، يقتل و يزنى و يلوط و يسرق، و قد جعله الله خليفة لنفسه، و أمر الكافة [١٩]. بالاقتداء به، و لما لم يكن هذا الكلام لائقا بأحد من العقلاء، فهو بأن لا يكون لائقا بكلام الله تعالى أولى.
و الثانى: قوله «إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» مرتب على ذكر تلك القصة. و ذلك مشعر بأنه انما وجد هذه الخلافة، بسبب هذه القصة. لأن أصحاب أصول الفقه يقولون: ترتيب الحكم على الفعل مشعر بتعليل ذلك الحكم بذلك الفعل. و هذا يقتضي أن الله تعالى انما فوض إليه خلافته فى الأرض، لأجل أنه أقدم على الزنى و القتل.
و ذلك لا يقوله عاقل.
و الثانى: ان داود عليه السلام قال: «وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ، لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» (ص ٢٨) فاستثنى الذين آمنوا و عملوا الصالحات عن هذا الحكم،
[١٩] و أمر أكابر
أنبيائه: ب