الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٩
الماهية. و متى كان الأمر كذلك، فكل ما صح على واحد منها، صح على كلها. و تقرير هاتين المقدمتين: قد تقدم فى مسألة اثبات الصانع- سبحانه و تعالى- الحجة الثانية: ان كل واحد من هذه الأفلاك. اما أن يكون بسيطا أو مركبا من البسائط. و كل ما كان بسيطا، فان كل واحد من جانبيه متساويان فى تمام الماهية. اذ لو لم يكن كذلك، لكن البسيط مركبا. هذا خلف. و اذا كان كل واحد من جانبيه متساويين فى تمام الماهية للجانب الآخر، فكل ما صح على أحد الجانبين صح على الآخر. فكما أن فلك القمر يصح أن يماس بمقعره النار و بمحدبه كرة عطارد، وجب أن يكون عكسه ممكنا. و متى كان ذلك ممكنا كان الخرق و الالتئام جائزين على الأفلاك.
و أما الفلاسفة فقد احتجوا على امتناع ذلك، بأن قالوا:
الخرق و الالتئام لا يحصلان الا بالحركة المستقيمة، لكن الحركة المستقيمة على أجرام الفلك ممتنعة، فوجب القطع بامتناع الخرق و الالتئام عليها.
و الجواب: ان هذا الكلام- و ان صح- لكن لا يتمشى الا فى الفلك الّذي هو الجسم المحدد للجهات. و هو الفلك الأقصى. و أما سائر الأفلاك فلا يجرى فيها البتة.
قال المصنف: و أنا أتعجب هاهنا من هؤلاء الفلاسفة. فانهم انما عولوا فى امتناع الخرق و الالتئام على الأفلاك على هذا الدليل فقط ثم ان هذا الدليل، لا ينتج هذا المطلوب، الا فى الفلك الأقصى. أما سائر الأفلاك. فهذا الدليل لا يجرى فيها البتة. و كيف اكتفوا فى اثبات الدعوى العامة بالدليل الخاص؟