الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٤
بصفة الشيء مشروط بالعلم بذاته، فاذن لا يمكننا أن نعلم أن هذه الطبقات موصوفة بهذه الصفات، الا اذا علمنا عدد تلك الطبقات، و وجودهم، لكننا لا نعلم البتة من هذه الطبقات المتوسطة، أنها كم هى؟ و اذا كان كذلك كانت ذواتها مجهولة لنا. و اذا كانت الذوات مجهولة كانت الصفات مجهولة، فلم يكن العلم بكونهم موصوفين بالصفات المعتبرة فى التواتر حاصلا، فوجب أن لا يحصل بهذا الخبر:
علم. و الله أعلم.
الشبهة الثانية: انا نرى المجوس على كثرتهم و تفريقهم فى الشرق و الغرب، يخبرون عن المعجزات العظيمة ل «زرادشت» مع أنه كان كذابا ساحرا عندكم.
و أيضا: اليهود على كثرتهم و تفرقهم فى الشرق و الغرب، يخبرون أن موسى عليه السلام قال: «ان شريعتى لا تصير منسوخة البتة» [٤].
و أيضا: النصارى على كثرتهم و تفرقهم فى الشرق و الغرب، يخبرون أن عيسى عليه السلام كان يقول: بثالث ثلاثة- سبحانه و تعالى عما يشركون- و بأنه ابن الله. و يخبرون: أن اليهود صلبوا عيسى و قتلوه. فان كان التواتر مفيدا للعلم، فقد صحت هذه الأخبار. و يلزم من صحتها: الطعن فى نبوة محمد صلى الله عليه و آله و سلم و ان كانت غير مفيدة للعلم، فحينئذ خرج التواتر عن كونه مفيدا للعلم.
لا يقال: انما دفعنا هذه الأقوال لقيام الدلائل العقلية، على أنها باطلة. فأما التواتر عن وجود محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عن ادعائه الرسالة، فانه لم تقم الدلالة على بطلانه. فظهر الفرق. لأنا نقول: هذا القدر يقوى كلامنا، لأن خبر التواتر لما حصل فى تلك
[٤] يقول سعديا الفيومى
فى الأمانات و الاعتقادات: «نقل بنو اسرائيل نقلا جامعا: أن شرائع التوراة. قالت
لهم الأنبياء عنها:
أنها لا تنسخ. و قالوا:
انا سمعنا ذلك بقول فصيح يرتفع عنه كل و هم و كل