الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٦
و انما قلنا: انه يمتنع كونها متعددة فى الأزل، لأن ذلك التعدد لا بدّ فيه من مميز، و ذلك المميز اما أن يكون ذاتيا أو عرضيا.
لا جائز أن يكون ذاتيا. لأن النفوس البشرية متحدة بالنوع. و لا جائز أن يكون عرضيا، لأن الامتياز بالصفات العرضية تابع لاختلاف المواد.
و مادة النفس هى البدن. فقبل التعلق بالأبدان ليس لها شيء من المواد، فامتنع اختلافها بسبب الصفات العرضية. فثبت: أن النفوس البشرية لو كانت أزلية، لكانت فى الأزل اما واحدة أو متعددة.
و القسمان باطلان، فبطل القول بكونها أزلية.
و الوجه الثانى: ان نفسى عبارة عن ذاتى المخصوصة، التى أشير إليها بقولى: «أنا» فلو كانت النفس القديمة، لكنت أنا من حيث أنا، أزليا قديما. و اذ كان الأمر كذلك، لوجب أن أتذكر شيئا من تلك الأحوال الماضية. فان من المحال أن يمارس الانسان سنين [٢] حرفة من الحرف، ثم انه ينساها بالكلية، و لا يتذكر شيئا من تلك الأحوال البتة. و لما لم يحصل عندنا تذكر شيء من تلك الأحوال الماضية، علمنا: أن القول بكون النفوس أزلية باطل. فثبت بما ذكرنا: أن النفوس ليست أزلية.
اذا ثبت هذا، فنقول: وجب أن لا تكون أبدية. و يدل عليه وجهان: الأول: ان سبب حدوث النفس عن العلل الفلكية العالية ليس الا حدوث الأبدان المستعدة لقبولها، لمن دورات الفلك لا أول لها، فحدوث الأبدان لا أول له، فحدوث النفوس لا أول له. فلو كانت النفوس باقية، لزم أن يكون قد حصل الآن نفوس غير متناهية. و ذلك
[٢] سبعين سنة: ب