الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٥
مجرد، ليس بجسم و لا بجسمانى. فنقول: القائلون باثبات هذه النفس: فرق ثلاث:
أحدها: الذين يقولون جملة النفوس الناطقة باقية بعد الموت.
و هو قول أكثر المحققين من الحكماء.
و ثانيها: الذين يقولون النفوس الناطقة تفنى عند فناء الأبدان.
و هذا قول لم يقل به أحد من المحققين.
و ثالثها: الذين يقولون النفوس الفاضلة تبقى. و هى التى استكملت قوتها النظرية بمعرفة الحق و قوتها العملية بعمل الخير، و أما النفوس التى لا تكون كذلك، فانها تفنى عند فناء الأبدان.
أما القول الأول- و هو أنها بأسرها باقية بعد موت البدن- فقد ذكرنا حجتهم.
و أما القول الثانى- و هو أنها تفنى عند موت البدن- فقد احتجوا بأن هذه النفوس ليست أزلية، فوجب أن لا تكون أبدية.
و انما قلنا: انها ليست أزلية لوجهين:
الوجه الأولى: ان النفوس لو كانت أزلية، لكانت اما أن تكون واحدة، أو كثيرة. و القسمان باطلان، فبطل القول بكونها أزلية.
انما قلنا: انه يمتنع كونها واحدة، لأنها بعد التعلق بالأبدان.
ان بقيت واحدة، كان نفسى نفسك. و بالعكس. فكل ما كان معلوما لانسان، يجب أن يكون معلوما لكل انسان. هذا خلف. و ان تعددت فهو محال. لأن هاتين النفسين اللتين هما موجودتان الآن. ان قلنا:
انهما كانتا موجودتين قبل التعلق بالأبدان، فقبل التعلق بالأبدان كانت النفوس كثيرة لا واحدة، و ان قلنا بأنهما ما كانتا موجودتين، فهما قد حدثتا الآن فلا تكون هذه النفوس قديمة.