الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٣
و الجواب: ان التأويلات انما يصار إليها، لو كان الاحتمال قائما. و لما علمنا بالنقل المتواتر المستفيض من دين محمد عليه السلام أنه انما كان مثبتا للمعاد الجسمانى، و مكفرا لكل من كان منكرا له، لا جرم لم يبق للتأويل فى هذا الباب مجال.
و أما الطريق العقلى المثبت للمعاد الجسمانى. فهو من وجهين:
الوجه الأول: انا نرى فى دار الدنيا مطيعا و عاصيا و محسنا و مسيئا، و نرى أن المطيع يموت من غير ثواب يصل إليه فى الدنيا، و العاصى يموت من غير عقاب يصل إليه فى الدنيا، فان لم يكن حشر و نشر، يصل فيه الثواب الى المحسن، و العقاب الى المسىء، لكانت هذه الحياة الدنيوية، عبثا، بل سفها.
و اعلم: أنه تعالى ذكر هذه الحجة فى آيات من القرآن. قال فى سورة طه: «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ. أَكادُ أُخْفِيها. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى» [طه ١٥] و قال فى سورة ص: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ، وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا. ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ»؟ [ص ٢٧- ٢٨] و فى هذه الآيات لطائف كثيرة دالة على صحة القول بالمعاد الجسمانى، ذكرناها فى «التفسير الكبير».
و الوجه الثانى من الدلائل على صحة المعاد الجسمانى: أن نقول:
انه تعالى خلق الخلق، اما للراحة و اما للتعب و الألم، أو لا للراحة و لا للتعب. لا جائز أن يقال: خلقهم للتعب و الألم. لأن هذا لا يليق بالمحسن الرحيم، الغنى عن الخلق. و لا جائز أن يقال: خلقهم لا للراحة و لا للتعب و الألم. لأنهم حال كونهم معدومين، كان هذا المعنى حاصلا. فدل على أنه تعالى انما خلقهم للراحة.