الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٢
أما المقام الثانى- و هو القطع بوقوع المعاد الجسمانى- فلنا إليه طريقان: السمع، و العقل. أما الطريق السمعى. فهو أن نقول:
لما ثبت بالدليل العقلى جوازه، و ثبت بالنقل المتواتر عن جميع الأنبياء و الرسل عليهم السلام وقوعه، وجب القطع بوقوعه. لأن الصادق اذا خبر عن وقوع أمر ممكن الوقوع، وجب القطع به.
فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: الأنبياء- عليهم السلام- انما أثبتوا المعاد الجسمانى، لأن القول بالمعاد الروحانى حق. و أكثر الخلق لا يمكنهم تصور المعاد الروحانى. فالأنبياء- عليهم السلام- ذكروا هذا المعاد الجسمانى، ليحصل به نظام العالم، ثم إن من كان قوى العقل، عرف أنه لا بد من تأويل هذه الظواهر؟
قالوا: و الّذي يحقق ذلك: أن المبدأ المذكور فى الكتب الالهية، مذكور على وجه يوهم أن ذلك المبدأ الجسمانى. ثم ان المتكلمين سلطوا التأويلات على تلك الظواهر، و زعموا: أن المبدأ منزه عن الأحوال الجسمانية، فكذا المعاد المذكور فى الكتب الالهية. و ان كان جسمانيا.
فلم لا يسلطون التأويلات عليها؟ و لم ينكرون أن يكون ذلك المعاد مبدأ عن الأحوال الجسمانية؟
فالحاصل: أن الحشوية تمسكوا بالظواهر، و زعموا: أن الحق هو المبدأ الجسمانى و المعاد الجسمانى.
و الفلاسفة سلطوا التأويلات على الظواهر، و زعموا: أن المبدأ منزه عن الأحوال الجسمانية. و كذا المعاد.
و أما المتكلمون. فقد سلطوا التأويلات على الظواهر الواردة فى جسمانية المبدأ، و احترزوا عن تأويلات الظواهر الواردة فى جسمانية المعاد فقط. فكان هذا تحكما محضا.