الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٧
إِلَّا اللَّهُ» [النمل ٦٤- ٦٥] فقوله: «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ»؟
اشارة الى مقدمتين:
أحدهما: ان عوده ممكن فى نفسه.
و الثانية: انه تعالى قادر على هذا الممكن، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك، لما كان الابتداء ممكنا. و قوله تعالى: «قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» اشارة الى المقدمة الثالثة. و هى كونه تعالى عالما بكل المعلومات، ثم لما قرر هذه المقدمات الثلاث أخبر عن جهالة من نازع فى صحة المعاد الجسمانى بعد الاقرار بتلك المقدمات الثلاث، فقال: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها، بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» [النمل ٦٦] و الآية الثانية: فى سورة الروم. و هى قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي وَ نَسِيَ خَلْقَهُ» الى قوله: «وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يس ٧٨- ٧٩] فقوله: «أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ» اشارة الى الجواز الذاتى و القدرة.
و قوله: «وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» اشارة الى كمال العلم. و أيضا: قوله تعالى: «أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ [يس ٨١] اشارة الى الجواز الذاتى، أو الى كمال القدرة ثم قال: «بَلى. وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» [يس ٨١] اعادة لتلك المقدمة مع مقدمة العلم.
و الآية الثالثة: فى سورة الروم. و هى قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ. وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى» الى قوله: «الْحَكِيمُ» [الروم ٢٧] فقوله: «يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ» اشارة الى الجواز الذاتى و كمال القدرة، ثم قوله: «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» اشارة أيضا الى كمال القدرة و «الحكيم» اشارة الى كمال العلم.
و نحن قد شرحنا فى تفسيرنا: أن كل آية وردت فى هذه المسألة فهى مشتملة على تقرير هذه المقدمات الثلاث.