الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٦
تعالى يفرق الأجزاء، ثم يركبها مرة أخرى. و لنا: فى هذه المسألة مقامان: أحدهما: اثبات الجواز العقلى. و الثانى: اثبات الوقوع السمعى.
أما المقام الأول- و هو اثبات الجواز- فاعلم: أنه مبنى على ثلاث مقدمات:
احداها: اثبات أن اعادة المعدوم جائزة، و اثبات أن الأجزاء التى تفرقت يمكن تركيبها بعينها. كما كانت. و هذه المقدمة قد تقدم تقريريها.
و ثانيها: انه تعالى قادر على جميع الممكنات.
و ثالثها: انه تعالى عالم بجميع المعلومات الكلية و الجزئية.
و اذا كان كذلك، فأجزاء الأبدان و ان صارت ترابا و اختلط بعض الأجزاء بالبعض، الا أنه تعالى لما كان عالما بجميع المعلومات الكلية و الجزئية، كان عالما بأن الجزء الّذي تحت قعر البحر الفلانى و الجزء الّذي فوق الجبل الفلانى، مجموعهما هو قلب «زيد» المطيع.
و اذا ثبتت هذه المقدمات الثلاث، ظهر أن المعاد الجسمانى جائز عقلا، لأنه لما كان فى نفسه ممكن الوجود، و كان الله تعالى قادرا على جميع الممكنات، لزم كونه تعالى قادرا عليه. و اذا كان عالما بجميع المعلومات، فحينئذ يمكنه تمييز المطيع عن العاصى.
و اعلم: أنه سبحانه و تعالى كلما ذكر فى القرآن هذه المسألة، بنى تقريرها على هذه المقدمات الثلاث.
(و كل آية وردت فى هذه المسألة. فهى مشتملة على تقرير هذه المقدمات الثلاث. و من الآيات):
الآية الأولى: قوله تعالى فى سورة النمل: «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ؟ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ.