الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٥
ثم القائلون بهذا. منهم من قال: النفس جوهر مجرد- على ما هو قول الحكماء- و منهم من قال: انه جسم نورانى شفاف سار فى هذا البدن. و اذا فسد البدن انفصلت تلك الأجسام الشفافة النورانية، و رجعت الى عالم الأفلاك و الأضواء، ان كانت من السعداء، أو الى الهاوية و الظلمات، ان كانت من الأشقياء.
و أما المطلوب الثانى- و هو القول فى المعاد-
فاعلم: أن الأقوال الممكنة فى هذه المسألة لا تزيد على خمسة. و ذلك لأن الحق اما أن يكون المعاد هو المعاد الجسمانى فقط- و هو قول أكثر المتكلمين- أو المعاد الروحانى فقط- و هو قول أكثر الفلاسفة الالهين- أو كل واحد منهما حق و صدق- و هو قول أكثر المحققين- أو الحق هو بطلانهما معا- و هو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين- و الحق هو التوقف فى كل هذه الأقسام. و هو المنقول عن «جالينوس» فانه قال: «لم يظهر لى أن النفس شيء غير المزاج» و بتقدير أن تكون النفس هى المزاج، فعند الموت تصير النفس فانية معدومة. و المعدوم لا يمكن اعادته، و أما بتقدير أن تكون النفس جوهرا باقيا بعد فساد المزاج، كان المعاد ممكنا. و لما لم يتبين عنده أن النفس هل هو المزاج بعينه أو شيء غيره؟ لا جرم توقف فيه.
و اعلم: أن المعاد الجسمانى أنكره أكثر الفلاسفة. و جملة أهل الاسلام [٦] متفقون على اثباته. و اعلم: أن الجمع بين انكار المعاد الجسمانى، و بين الاقرار بأن القرآن، حق: متعذر. لأن من خاض فى علم التفسير، علم أن ورود هذه المسألة فى القرآن، ليس بحيث يقبل التأويل.
و أما القائلون. بالمعاد الجسمانى. فقد عرفت أنهم فريقان: منهم من يقول: انه تعالى بعدم الذوات ثم يعيدها. و منهم من يقول: انه
[٦] المل: ب