الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥
لأن الماضى هو الّذي كان حاضرا فى وقت من الأوقات. و قد زال الآن.
و المستقبل هو الّذي يتوقع أن يحضر فى زمان من الأزمنة الآتية، و بعد لم يحضر. فلو امتنع أن يكون له حضور بوجه من الوجوه، لم يكن ماضيا، و لا مستقبلا و لا حاضرا. و كل ما كان كذلك لم يكن موجودا البتة. فالحركة لا وجود لها البتة. هذا خلف. فثبت: أنه لا بد أن يحضر من الحركة شيء فى الحال. و ذلك الحاضر فى الحال، اما أن يقبل القسمة بحسب الزمان، أو لا يقبل. فان قبلها افترض فيه جزءان. أحدهما قبل الآخر، لأن القسمة الزمانية هكذا تكون. و حين ما كان النصف الأول موجودا، لم يكن النصف الثانى حاضرا و حينما جاء النصف الثانى، صار النصف الأول فانيا. و حينئذ لا يكون الحاضر الموجود حاضرا موجودا، بل الحاضر الموجود منه نصفه. ثم يعيد التقسيم الأول فى ذلك النصف.
و الحاصل: أن كل ما كان منقسما بحسب القسمة الزمانية، لم يكن مجموعه موجودا، و ما كان مجموعا حاضرا وجب أن لا يكون منقسما بحسب القسمة الزمانية. فثبت: أن الحاضر من الحركة و الحاصل منها فى الحال، غير قابل للقسمة الزمانية.
اذا ثبت هذا فنقول: اذا انقضى ذلك الجزء حصل عقيب انقضائه شيء آخر، و هو أيضا حاضر. فوجب أن لا يكون هو أيضا منقسما.
و هكذا القول فى جميع الأجزاء الواقعة فى تلك الحركة الى آخرها.
فثبت بهذا البرهان القاطع القاهر: أن الحركة مركبة من أمور متتالية كل واحد منها غير قابل للقسمة البتة. و اذا ثبت هذا قلنا: وجب أن يكون الجسم أيضا كذلك. لأن القدر الّذي يقطع من المسافة بالجزء الّذي لا يتجزأ من الحركة. ان كان منقسما كانت الحركة الى نصفها نصف الحركة الى آخرها. و حينئذ يكون ذلك الجزء من الحركة منقسما.