الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٠
و الّذي يدل على صحة هذا القول: أن الشيء اذا صار معدوما، فانه بعد العدم بقى جائز الوجود. و الله تعالى قادر على جميع الجائزات، فوجب القطع بكونه تعالى قادرا على اعادته بعينه، بعد العدم.
و انما قلنا: انه بعد عدمه بقى جائز الوجود، لأنه قبل عدمه جائز [١] الوجود. و هذا الجواز اما أن يكون من لوازم حقيقته، و اما أن يكون من عوارض حقيقته. فان كان من لوازم حقيقته، وجب أن لا يزول. و ان كان من عوارض حقيقته، كانت تلك الحقيقة بحيث يجوز عليها ذلك الجواز فينتقل الكلام الى جواز الجواز، و لا يتسلسل، بل ينتهى بالآخرة الى جواز، هو من لوازم الحقيقة. و هذا نقيض حصول هذا الجواز حالتى الوجود و العدم. فثبت بهذا: أن الجواز حاصل أبدا. و أما أنه تعالى قادر على كل الجائزات، فقد تقدم اثباته. و يلزم من مجموع الأمرين كونه تعالى قادرا على اعادة المعدوم.
فان قيل: قولكم: «هذا الجواز لازم لماهيته، فيبقى الجواز ببقاء الماهية».
قلنا: هذا الكلام متين، الا أنه مبنى على أن الماهية باقية حال العدم. و هذا لا يتم الا مع القول بأن المعدوم شيء، و أنتم لا تقولون به.
و الجواب: ان بطلان الماهية حال العدم، لا يمنع من الحكم عليها بالجواز و الامتناع. و يدل عليه وجوه:
أحدها: ان صريح العقل يحكم بأن هذا المحدث كان جائز الحدوث قبل أن حدث. و هذا الّذي حكم العقل عليه بالجواز، ليس هو الماهية، لأن الماهية لو كانت واجبة التقرر و التحقق، حالتى الوجود و العدم
[١] لأنه كان عند
الوجود جائز: ا