الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٤
آخر، فيلزم اما التسلسل أو الدور. و هما محالان، فوجب أن لا يتحقق فيه جواز الخطأ.
و اعلم: أنهم احتجوا فقالوا: ان دليلنا فى وجوب وجود الامام، و فى وجوب عصمته تعينه، هو عين الدليل الّذي يعرف به، وجود الصانع، و وجوب وجوده.
و ذلك لأنا نقول: العالم يجوز وجوده و يجوز عدمه، فافتقر رجحان وجوده على عدمه الى مرجح. فكذا قولنا: الخلق يجوز عليهم الطاعة، و يجوز عليهم المعصية، فافتقر رجحان الطاعة على المعصية الى المرجح. و هو الامام. ثم قلنا: الجواز الّذي هو علة الحاجة الى المؤثر غير حاصل فى الصانع، و الا لافتقر الى مؤثر آخر، فيلزم اما الدور و اما التسلسل فكذا هاهنا.
قلنا: جواز الاقدام على المعصية غير حاصل فى الامام، و الا لافتقر الى امام آخر، فيلزم اما الدور و اما التسلسل. و هما محالان. فثبت:
أن مسألة اثبات الامامة بعينها مطابقة لمسألة اثبات الصانع.
الشبهة الثانية فى وجوب العصمة: انه ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن الشريعة التى جاء بها، فانه أوجبها على جميع المكلفين الى يوم القيامة. و لما أوجبها على جميع المكلفين، وجب وصولها الى جميع المكلفين. و الا لكان ذلك تكليف بما لا يطاق.
اذا ثبت هذا، فنقول: هذه الشرائع لا بد لها من حافظ يحفظها عن التغير، و من ناقل ينقلها إلينا. و ذلك الناقل لا بد و أن يكون واجب العصمة، اذ لو لم يكن كذلك لم يكن نقله مفيدا للعلم. و ذلك الناقل الّذي هو واجب العصمة اما أن يكون مجموع الأمة- على ما ذهب إليه من يقول: الاجماع حجة- أو بعض آحاد الأمة. و الأول باطل. لأن وجوب عصمة كل الأمة غير ثابت بالعقل. لأنا نرى النصارى على كثرتهم مجمعين على الأباطيل. فاذن وجوب عصمة مجموع الأمة