الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٦
اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» (مريم ٨٥- ٨٧) فنقول: الّذي فى ظاهر الآية: أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم، أو أن غيرهم لا يملكون الشفاعة لهم، لأن المصدر كما يحسن اضافته الى الفاعل، يحسن أيضا اضافته الى المفعول. الا أنا نقول: حمل الآية على الوجه الأول غير جائز. لأن حملها عليه يجرى مجرى إيضاح الواضحات. فان كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون الى جهنم، لا يملكون الشفاعة لغيرهم.
و لما بطل هذا، ثبت وجوب حمل الآية على الوجه الثانى.
اذا ثبت هذا، فنقول: الآية دالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر. لأنه تعالى قال: «إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» و التقدير:
أن المجرمين لا يملكون أن يشفع لهم غيرهم، الا اذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهدا. و هذا يقتضي أن كل من اتخذ عند الرحمن عهدا، دخل تحت هذه الآية و صاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهد الايمان و التوحيد. فوجب دخوله تحت هذه الآية. و لهذا يروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: «ذلك العهد عهد لا إله الا الله».
أقصى ما فى الباب: أن يقال: اليهودى اتخذ عند الرحمن عهدا.
و هو الايمان بالله. فوجب دخوله تحت الآية. لكنا نقول: العام بعد التخصيص، يبقى حجة فيما عداه.
الحجة الثالثة: قوله تعالى فى حق الملائكة: «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» (الأنبياء ٢٨) و صاحب الكبيرة مرتضى عند الله، لأنه مرتضى عند الله بحسب ايمانه. و متى صدق عليه أنه مرتضى فى الصفة الفلانية، صدق عليه أنه مرتضى. لأنه متى صدق المركب، فقد صدق المفرد.
و اذا كان كذلك، وجب أن يدخل تحت قوله: «إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» و الاستثناء من النفى اثبات. فوجب ثبوت الشفاعة له.
فان قيل: الكلام على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: ان الفاسق ليس بمرتضى، فوجب أن لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة له. انما قلنا: انه ليس بمرتضى، لأنه ليس بمرتضى بحسب