الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٤
فان قيل: لا نسلم أن المغفرة عبارة عن أن لا يعذب العصاة فى الآخرة
. بيانه: أن المغفرة اسقاط العذاب، و المفهوم من اسقاط العذاب، أعم من اسقاطه دائما، أولا دائما. و اللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك، لا اشعار فيه لكل واحد من ذينك القيدين. فاذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على كون الاسقاط دائما.
اذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: ان الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا، لكن يؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا فى حق من يشاء؟
لا يقال: كيف يصح هذا التأويل، و نحن لا نشاهد البتة اليوم مزية للكفار فى عقاب الدنيا على المؤمنين؟
لأنا نقول: تقدير الآية: ان الله تعالى لا يؤخر عقاب الشرك فى الدنيا لمن يشاء، و يؤخر عقاب ما دون الشرك فى الدنيا لمن يشاء.
فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين. لأن الكفار و الفساق يخافون أن يعجل [١٢] عقابهم فى الدنيا، و ان كان لا يفعل ذلك بكثير منهم.
سلمنا: أن الغفران عبارة عن الاسقاط بالكلية. فلم قلتم: انه لا يمكن حمله على مغفرة التائب و مغفرة صاحب الصغيرة؟
أما الوجوه الثلاثة الأول: فهى مبنية على أصول المعتزلة. و أنتم لا تقولون بها.
و أما الوجه الرابع: فلا نسلم أن قوله «ما دون ذلك» يفيد العموم و الدليل عليه: أنه يصح ادخال لفظى الكل و البعض عليه على البدل. مثل أن يقال: و يغفر بعض ما دون ذلك، و يغفر كل ما دون ذلك [١٣] و ذلك يدل على أن هذه الصيغة لا تفيد العموم، و الا لكان الأول نقضا، و الثانى تكريرا [١٤].
[١٢] يجعل: ا- يعجل: ب
[١٣] و يغفر كل ما دون
ذلك و يغفر بعض: ب
[١٤] لكان الأول تكرير
و الثانى نقضا: ب