الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١١
ان صاحب الكبيرة لا يخزى، لأنه مؤمن، و المؤمن لا يخزى. و انما قلنا: انه مؤمن. لقوله تعالى: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي، حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ» (الحجرات) سماهم مؤمنين حال ما وصفهم بالبغى. و انما قلنا: ان المؤمن لا يخزى: لقوله تعالى:
«إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ، عَلَى الْكافِرِينَ» (النحل ٢٧) و لقوله:
«لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» (التحريم ٨) و لقوله تعالى حكاية عن المؤمنين: «وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ» (آل عمران ١٩٤) ثم قال تعالى: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ» (آل عمران ١٩٥) فثبت: ان صاحب الكبيرة مؤمن، و ثبت: أن المؤمن لا يخزى، فيلزم أن صاحب الكبيرة لا يخزى. و انما قلنا: ان كل من أدخل النار، فقد أخزى.
لقوله تعالى: «إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ، فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» (آل عمران ١٩٢) و لما ثبتت هاتان المقدمتان، لزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار.
الحجة الثانية عشر: الايمان أقوى من الكفر، و لما لم ينفع مع الكفر شيء من الطاعات، وجب أن لا يضر مع الايمان شيء من المعاصى.
الحجة الثالثة عشر: الكافر اذا أسلم، أزال ثواب ايمانه عقاب كفره. فدل هذا: على أن ثواب الايمان أزيد من عقاب الكفر، و عقاب الكفر لا شك أنه أزيد من عقاب الفسق. فيلزم أن يكون ثواب الايمان، أزيد من عذاب الفسق بكثير. و عند الجبر و المقابلة يفضل ثواب الايمان لا محالة. فوجب القطع بأن المؤمن من أهل الجنة.
و لا يقال: انه إذا كفر بعد ايمانه، فعقاب كفره، يزيل ثواب ايمانه. لأنا نقول: هب أنه كذلك، لكن بهذا الطريق لا يظهر أن عذاب الفسق أزيد من ثواب الايمان.
و بالطريق الّذي ذكرناه: يظهر أن ثواب الايمان، أزيد من عذاب الفسق. فكان الترجيح لدليلنا. و الله أعلم.