الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٠٣
المقصود منها اظهار تصديق زكريا لا اظهار كرامة مريم، لكان ذكر زكريا عند ذكر هذه الخوارق، أولى من ذكر مريم. و لما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن المقصود منها اكرام مريم لا تصديق زكريا.
الحجة الثانية: ان الله تعالى أبقى أصحاب الكهف ثلاث مائة سنة و أزيد فى النوم، أحياء من غير آفة. و هم ما كانوا من الأنبياء، فوجب أن يكون هذا من باب الكرامات.
فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: ان ذلك معجزة لبعض الأنبياء.
و ان كنا ما عرفناهم؟ قلنا: هذا باطل من وجهين:
الأول: ان تلك الأحوال لو كانت معجزة للأنبياء، لما جاز اخفاها. لكنهم اجتهدوا فى اخفائها. حيث قالوا: «وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً» (الكهف ١٩).
و الثانى: هو أن بقاء قوم مدة ثلاث مائة سنة أحياء، لا يمكن أن يصير معلوما للخلق. و ما لا يمكن أن يصير معلوما للخلق، لا يمكن جعله معجزة دالة على صدق مدعى النبوة. فثبت: أن هذا لا يصلح أن يكون معجزة، فلم يبق الا أن يكون كرامة.
الحجة الثالثة: ان تشريف الله تعالى عبده بمعرفته و محبته، أعظم و أعلى من إعطائه رغيفا فى المفازة أو سقيه شربة من الماء.
و اذا لم يبعد الأول، كيف يبعد الثانى؟
و احتج المنكرون بوجوه:
الحجة الأولى: ان تجويز الكرامات يفضى الى القول بالسفسطة.
لأنا اذا جوزنا الكرامات، فلعل الله تعالى قلب الجبل ياقوتا، كرامة لبعض الأولياء. و لعله جفف البحر كرامة، لولى ثان. و لعله خلق هذا الانسان الشيخ فى هذه الساعة، كرامة لولى ثالث. و قس عليه. و معلوم أن تجويزه يفضى الى الجهالات.