الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٤
البشر: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» (القمر ٥٥) و قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» و هذا أفضل لأنه قال فى صفة الملائكة: انهم عند ربهم. و قال فى صفة المنكسرة قلوبهم: ان ربهم عندهم.
الحجة الثالثة: لمن قال بتفضيل الملك على البشر:
عبادات الملائكة أشق، فيكون الملك أفضل. انما قلنا: انها أشق لوجوه:
الأول: انهم آمنون من الآفات التى يكون البشر خائفا منها.
مثل الغرق و الحرق و القتل و المرض و الحاجة و الشقاوة و الكفر و المعصية.
و أيضا: فالسماوات التى هى مساكنهم و أماكنهم، كالجنان و البساتين الطيبة، بالنسبة الى الأرض.
و كل من كان تنعمه أكثر و خوفه أقل، كان تمرده أشد. و لهذا قال تعالى: «فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ، إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» (العنكبوت ٦٥).
ثم ان الملائكة مع كثرة أسباب التنعم و التمرد، منذ خلقوا، بقوا مشتغلين بالعبادة خاشعين وجلين مشفقين لا يلتفتون الى نعيم الجنان و اللذات، بل بقوا مقبلين على الطاعات الشاقة موصوفين بالفزع الشديد، و كأنه لا يقدر أحد من بنى آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا، فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة. و يؤكده: قصة آدم عليه السلام فانه أطلق له فى جميع مواضع الجنة بقوله تعالى: «وَ كُلا مِنْها رَغَداً، حَيْثُ شِئْتُما» (البقرة ٣٥) و منعه من شجرة واحدة، فلم يملك نفسه، حتى وقع فى الشر. و هذا يدل على أن طاعتهم أشق من طاعة البشر.
الوجه الثانى: فى بيان أن طاعتهم أشق: أن انتقال المكلفين من نوع عبادة الى نوع آخر، كالانتقال من بستان الى بستان. أما الاقامة على نوع واحد، فانها تورث الملالة. و لهذا السبب جعلت التصانيف