الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٣
المقربون الذين هم فوقه فى القدرة و البطش و الاستيلاء على عالم السموات و الأرضين.
و بهذا الوجه تنتظم دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر فى القدرة و البطش و الشدة، لكنها لا تدل البتة على أن الملك أفضل من البشر فى كثرة الثواب.
أو يقال: انهم انما ادعوا إلهية المسيح، لأنه حصل من غير أب.
فقيل لهم: الملائكة حصلوا لا من أب و لا من أم. فكانوا أعجب من عيسى فى هذا الباب، مع أنهم لا يستنكفون عن عبودية الله تعالى.
الحجة الثانية: لمن قال بتفضيل الملك على البشر:
التمسك بقوله تعالى: «وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» و الاستدلال به من وجهين:
الأول: انه تعالى احتج بعدم استكبار الملائكة عن عبادته، على أن البشر يجب أن لا يستكبروا عنها. فلو كان البشر أفضل من الملائكة، لما تم هذا الاستدلال. فان السلطان اذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له، فانه يقول: الملوك لا يستكبرون عن طاعتى. فمن هؤلاء المساكين؟ و بالجملة: فظاهر أنه يلزم أن هذا الاستدلال لا يتم الا بالأقوى على الأضعف.
الثانى: انه تعالى قال: «وَ مَنْ عِنْدَهُ» و هذه العندية ليست عندية بالجهة، بل عندية بالفضيلة و القربة.
و الاعتراض على الوجه الأول: لعل المراد: أن الملائكة مع شدة قوتهم لا يتمردون عن طاعة الله، فما بال البشر يتمردون عن طاعة الله، مع غاية قصورهم و حقارتهم. و هذا يوجب كون الملك أقوى من البشر، لكنه لا يوجب كونه أفضل من البشر- بمعنى كثرة الثواب- و الاعتراض على الوجه الثانى: انه معارض بقوله تعالى فى صفة