الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٢
و أما قوله تعالى: «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ» فيحتمل أن يكون المراد:
فغفرنا لأجل حرمته، و لبركة شفاعته ذلك الفعل المنكر، الّذي أتى به أولئك المتسورون و هذا التأويل الّذي ذكرناه ينطبق عليه القرآن، و لا نحتاج فيه الى أسناد الكذب الى الملائكة، و حمل النعاج على النسوان.
ثم إنه يليق به أن يذكر عقيب قوله: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» فمن [٢١] بلغت رحمته و شفقته على الرعية الى هذا الحد، كان اللائق برحمة أرحم الراحمين، تفويض خلافة الأرض إليه، و يليق به أن يأمر محمدا عليه السلام عند تأذيه من قومه، بأن يقتدى به.
و هو قوله فى أول الآية: «اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ. وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، ذَا الْأَيْدِ» (ص ١٧) و من طلب الحق و أنصف، علم أن ما ذكرناه هو الحق الصريح.
الوجه الثانى: لعل الاستغفار، انما كان لأن القوم لما تسوروا داره، ظن بهم أنهم يقصدون قتله، ثم انه لما لم تظهر الأمارات الدالة على أن ذلك الظن حق، ندم على ذلك الظن، فكان الاستغفار بسببه.
الوجه الثالث: انه عليه السلام لما هضم نفسه، و لم يؤذهم و لم ينتقم منهم مع القدرة التامة، دخله شيء من العجب، بسبب كمال حلمه، فكان الاستغفار منه لأن العجب من المهلكات.
فهذا قول من يقول: لا دلالة فى الآية على اتيانه بشيء من الزلات- و هو الحق عندى-- و أما من سلم دلالة الآية على الصغيرة، فلهم فيه وجوه: أحدها: انه عليه السلام كان عالما بحسن امرأة «أوريا» فلما سمع أنه قتل، قل غمه لميل نفسه الى نكاح زوجته، فعوتب عليه.
[٢١] لأن من: ب