الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥١
عدول عن الظاهر. و أما على قولنا فقد نسبنا هذا الكذب الى اللصوص، و هو أولى من نسبته الى الملائكة.
و بالجملة: فليس فى الآية لفظ يشهد بصحة ما ذكروه من القصة الا ثلاثة ألفاظ: أحدها: قوله: «وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ» (ص ٢٤) و ذلك لأن لفظ الفتنة يوهم الابتلاء.
و ثانيها: قوله تعالى: «فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ» (ص ٢٤) و ذلك يوهم صدور الذنب منه.
و ثالثها: قوله: «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ» (ص ٢٥) و اعلم: أن شيئا من ذلك لا يدل على أقوالهم.
و يدل عليه وجوه:
الوجه الأول أما قوله: «وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ» فالمعنى: امتحناه و اختبرناه، فانه لما أساء الظن بهم. فهل يعاجلهم بالعقوبة أم لا؟ ثم إنه عليه السلام مع كمال سلطته و قوة مملكته، لم يعاجلهم بالعقوبة، و لم ينتقم منهم، و لم يضربهم، فكان ذلك سببا لازدياد منصبه فى الحكم و الدين و أما قوله: «فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ» فليس فى الآية أن ذلك الاستغفار لنفسه أو لغيره. ألا ترى أنه تعالى حكى عن الملائكة بأنهم يستغفرون للذين آمنوا؟ و قال أولاد يعقوب: «يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا» (يوسف ٩٧) و قال تعالى لمحمد صلى الله عليه و آله و سلم: «اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ» (محمد ١٩) و اذا كان كذلك، احتمل أن يكون المراد أن القوم لما أقدموا على ذلك الفعل المنكر، لم يعاجلهم داود بالعقوبة، بل أظهر الحلم. و زاد على ذلك طلبه من الله تعالى أن يعفو عنهم، و أن يغفر لهم.